آراء ومقالات

التقارب الأمريكي الإيراني: أية رسالة للعرب؟


 

ليس سرا أن نية التقارب الأمريكي –الإيراني
بعد مكالمة (أوباما- روحاني)، مثلت مثارا –ولا تزال- للقلق لدى بعض الأوساط
الرسمية العربية، كما أفادت بعض التحليلات والتعليقات في الصحافة العربية
والدولية، بل إن التسريبات

أشارت إلى أن بعض ردود الفعل
العربية، فرت إلى إسرائيل، لاستئناف التواصل والتشاور بالشأن الإيراني ،ورغم
مشروعية القلق وغرابة ردة الفعل المفترضة ،إلا أنه لا يجب أن يذهب بنا التحليل
بعيدا ،فرغم رمزية هذه الخطوة ،والقلق من انعكاساتها السلبية على المصالح
العربية،إلا أن المحادثات الأمريكية الإيرانية لن تذهب بعيدا ؛اللهم إلا في إطار
تضييع الوقت،فإذا كان الرئيس الأمريكي يمتلك القرار الفعلي ،وإن في إطار مؤسسي
ديموقراطي ،إلا أن الأمر على النقيض من مثل ذلك بالنسبة لروحاني،فمن خلال فحصنا
الدقيق للنظام الدستوري ،وتاريخ السلطة والممارسة القرارية في إيران، يتضح مدى
محدودية تأثيرالرئيس، في المنظومة العامة لصناعة القرار،مما يعنى أن المشكل يتعلق
بطبيعة المؤسسة الرسمية الإيرانية، ممثلة في موقع المرشد العام والمؤسسات المساعدة
له في هندسة النظام العام، وليس بالرئيس الذي يبدو بالفعل والواقع، منفذا لتوجهات
عامة ليس هو من رسمها،بهذا الفهم نميل إلى أن الخطوة الإيرانية، تمثل مناورة ذكية
لكسب الوقت أمام التدخل الغربي ، لأجل خدمة الهدف العام للاستراتيجية الإيرانية،
والمبنية على أهداف واضحة أهمها ،إعلان إيران أو الإعتراف بها كقوة اقليمية صاعدة،
لها رؤيتها ومواقفها التى يجب احترامها في هذا الجزأ من العالم ،إضافة لأهداف
مرحلية تعظم مكاسب إيران المؤقتة، في البرنامج النووى ومسألة العقوبات والأزمة
السورية والعلاقة مع دول الجوار العربي والخليجي…إلخ ،وغني عن القول ان إيران
تتذرع بسياسة خارجية، تتمتع بقدرة فائقة على المناورة والتحرك في الشؤون الدولية.

أما ما يجعل إدارة أوباما تجنح
للحوار، فلاشك عدم قدرتها فرض أهدافها في المنطقة في هذه الظرفية عن طريق القوة
العسكرية ، وخصوصا في ظل تفاوت غير مسبوق في الرأي العام الأمريكي، ومؤسساته
الرسمية ،حول خيار اعتماد القوة لتحقيق المصالح خارجيا ،إذ لا تزال آثار هذا
التدخل السلبية مخيمة في عقول الرأي العام والنخبة الديموقراطية الحاكمة ،أما عن
التوجه الأمريكي لإيران، وليس لدولة أخرى في المنطقة ،فببساطة شديدة –وإن كانت
معقدة- هو عناد الدور الإيراني “المناور والقوي” في المنطقة ،وكون إيران
ظلت “عدوا شريكا” ،في الإحتلالين الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق.

إلا أن الأوساط العربية لا
يمكنها الركون إلى تحليل، يعلي من شأن استدامة التناقض الأمريكي الإيراني،خصوصا أن
عملة المصالح،هي الوحيدة القابلة للصرف في سوق السياسة الدولية،ولكنها بالطبع العملة
التى لابد أن تحمى، باحتياط من القوة والفهم الاستراتيجيين،فالجانب العربي والذي
يعد متضررا رئيسا من لعب القوى الكبرى هذه ،لا شك أن له مصالحه ومخاوفه الواضحة
،من التغول الإيراني في المنطقة، والذي تأتى مشكلته من عقيدته بالمعنى الايديولوجي
والديني القائمة تجاه العرب، على فكرة “المظلومية” تاريخيا ،والتى
تستدعي –كما تشي بذلك ادبيات الشيعة المختلفة- بناء القدرة للانتقام والثأر ،وهم
ما يتطلب التعجيل “بالمنتظر ” لاستكمال التمكين ،ومشكلة هذه المثولوجيا
الدينية أنها لم تسجل ضد مجهول ،بل ضد السواد الأعظم من المسلمين الذي تمثله دول
المنطقة ، والمشكلة الأكبر أن الدولة الإيرانية اليوم، تنهج سلوكا رساليا وربما
تدميريا ، حسب البعض –كما رأينا في  العراق ولبنان وسوريا اليوم- وهو امر على
تعقيداته، مثل مبررا للقلق من هذا التلاقي الامريكي الإيراني ،لكن مشكلة الجانب
العربي ، تكمن في غياب حد أدنى من الاستراتيجية المشتركة لتطويق هذه المخاطر،وهو
قصور ساهم في تعظيم حظوظ ومكاسب إيران، والتى أصبحت تستخدم الفراغ العربي مجالا
حيويا، لصراعاتها مع خصومها الغربيين والاسرائليين ،وهي خصومة حسب البعض تبدو
ثانوية من حيث الجوهر، بالنظر إلى مستويات التنسيق المشار إليها سلفا ، في
افغانستان والعراق وضمان انسيابية المواد الطاقوية من المنطقة، والتى لم تهدد ولو
لساعة واحدة من الطرف الإيراني ،وتبقى التدابير العربية ذات طبيعة كلامية، ومحدودة
وغير مستقلة، أمام خيارات القوى الكبرى في العالم ،إن غياب هذه الاستراتيجية
العربية ووسائلها المناسبة، لتقوية العرب في ميزان لعبة الأمم هذه ،والتى من
ابجدياتها توفر الإرادة لبناء مستوى من التماسك ، ديموقراطيا واقتصاديا وامنيا
وعسكريا ودبلوماسيا، لتكوين وزن خارجي يتلافى هذا التفاوت المريع في الأحجام
والأدوار، هو مصدر المشكلة.

بالرغم من كل تلك التعقيدات،
وتشتت العرب بفعل تناقض سياسات الأنظمة، والتحولات المرافقة للأحداث التى تشهدها
الدول العربية منذ 2011 ، إلا أن الإستمرار في التقوقع داخل الحدود القطرية لكل
بلد، لن تمثل حلا مهما كانت التدابير الحكومية ، فلا ينفع العرب إلا أن يكونوا
“أمة”، كما أراد لهم الدين والجغرافيا والتاريخ والتحديات ومنطق العصر
،إذ لا بد من حياة سياسية عربية مستأنفة ،وجديدة تسودها قيم الجماعية و التضامن
،والتشاور والتحاور والتنسيق وتعبئة الموارد، تتخذ جملة من الإجراءات والتدابير
ذات الطابع التكتيكي والاستراتيجي.

ملامح هذه الخطة الإستراتيجية
نلخصها في التالي:

أولا ،على الصعيد الجماعي(متعدد
الاطراف): بناء حد أدنى من التضامن السياسي والاقتصادي ،تعكسه مراجعة الإطار
الاقليمي والجماعي العربي،من خلال مراجعة واعادة تعريف الدور الجديد والمهات
المستجدة المناطة بجامعة الدول العربية وبقية أطر العمل المشترك الأخرى (خليجيا
–مغاربيا…)

ثانيا،على الصعد الداخلية: لا بد
من بذل الجهود المطلوبة، لاستكمال عمليات التحديث السياسي والاقتصادي ، وبناء
أنموذج دولة حديثة قابلة للاستمرار في عالم اليوم ، الذي تعتبر فيه “القوة هي
القانون الاسمى”،والخطوة العملية الأولى، هي العمل على بناء تسوية تاريخية
لإصلاح العطب في العلاقة  وعدم الثقة، بين السلطة السياسية وبقية مكونات
المجتمع، في الدولة العربية ما بعد الاستقلال ، والتى لم تنجح تماما في التعبير عن
هوية وطموحات مجتمعاتها ،وتقوم هذه الخطة على أسس طموحة ومدروسة، تعبئ لها الموارد
اللازمة ،وستكون الثمار العاجلة لهذا التحرك العقلاني بناء الحد الأدنى ، من
التوافق السياسي المطلوب في هذه المرحلة الانتقالية ،القائم على روح جديدة، من
التفاهم والتفاوض والاعتراف المتبادل، بين الانظمة السياسية العربية من جهة،
والقوى المدنية الطامحة للتغيير في الدولة والمجتمع، فضلا عن أهمية تعضيد هذا
المسعى السياسي، بعملية إصلاح تنموى واقتصادي معقلنة، تهدف إلى بناء انموذج
اقتصادي وطنى مستقل وقومي تكاملي، يروم تحقيق الانتاج والقضاء على الفساد
والبطالة، ويكافح الفقر ويحقق الازدهار المادي المأمول،وهو مجهود من شأنه بناء
مشروعية جديدة، يحتاجها النظام السياسي الرسمي العربي، لاستعادة الاستقرار وبناء
مستويات من القوة الذاتية، لتعديل وضعية الغثائية الحالية في الميزان الدولي.

ثالثا، بناء وتبنى خطاب ديني
أصيل ومعاصر نحتاجه، كون مختلف التحديات القيمية والفكرية والسلوكية الداخلية،
تنبع من قراءات مشوهة للإسلام الذي تعتنقه الامة ،إضافة إلى خطاب سياسي وثقافي
اتصالي جديد ،تصوغه النخب المعرفية والثقافية، بالتعاون مع النظام السياسي الرسمي،
ويكون منفتحا على التعددية في المجتمع ،ليتم تسويق هذا الخطاب  والذي هو خطاب
عام ، يقوم على مفاهيم الوحدة والعقلانية والتسامح والاعتداد، في الاعلام
والجامعات ومختلف مؤسسات التنشة الاجتماعية والسياسية ،وهذا المسعى المتعلق بتصحيح
المفاهيم، يعتبر هاما لبناء مستوى معين من الفهم المشترك، لدى الانسان العربي، لمجابهة
مختلف صنوف التحديات الداخلية والخارجية.

وبما أن هذا المسعى الاستراتيجي،
يحتاج الكثير من الجهود ومن الوقت ،فلا بد من  تبنى سياسات ذات طابع مرحلي،
نلخصها دون تفصيل :في التعجيل برفع وتيرة الاتصال والتنسيق والتشاور، بين الدول
التى ترى أن مثل هذا التطور في العلاقة الأمريكية الإيرانية، يمثل تهديدا لمصالحا
،وكذلك ممارسة ضغوطات فعلية على الطرفين، للتخفيف من الآثار الانعكاسية لأي
تفاهمات محتملة ، وتبنى سلوك دبلوماسي اقتحامي، بفتح قناة جديدة مع “إيران
روحانى” واعطاء فرصة جديدة للحوار معها.

أخيرا من البديهي، أن من شأن أي
تحرك عربي مشترك رسمي وموازي ،هدفه بناء حد أدنى من الوئام والسلم والتضامن
والتنمية ،أن يدق ناقوس الخطر لدى القوى المناهضة، مما سيولد ردود أفعال متفاوتة
،لكنها لن تكون بالضرورة ،أكبر مما تعانيه الدول العربية اليوم ،اقتصاديا وسياسيا
وامنيا ،فليس بعد الاحتلال والاقتتال الداخلي والتهديد بالتقسيم، والتفاهمات
الدولية والاقليمية على حساب سيادة أمة العرب ،من ثمن!

المصدر: جريدة السفير

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى