آراء ومقالات

دراسة لغة الأم أم الدراسة بلغة الأم؟

 

 

نقاش ثقافي وجدال واسع تشهده هذه الأيام
النخبة الإيرانية، خاصة في العاصمة طهران وهي النخبة الوحيدة القادرة على التأثير.
وموضوع النقاش تفعيل المادة المعطلة من الدستور الإيراني المتعلقة بتدريس لغات
الشعوب أو الأقوام كما يحلو للفرس تسميتها. النقاش ليس جديدا بل كان حاضرا منذ
أكثر من ثلاثين عاما وهو عمر النظام الإيراني الحالي. لكنه يظهر بشدة في فترات
الانتخابات وما بعدها بقليل ثم يختفي، وهكذا دواليك. لكن من يتابع النقاشات هذه
الأيام يرى الفرس ما بين متخوف وحذر جدا بالنسبة لتفعيل هذه المادة من الدستور،
رغم إنها لا تلبي الحد الأدنى من طموح الشعوب المغلوبة على أمرها، أي الشعوب غير
الفارسية. وطريقة التفكير هذه تعني استمرار النخبة الإيرانية في مواصلة أوهام رضا
بهلوي مؤسس إيران الحالية التي ثبت فشلها. تلك الأوهام التي أتت بالويلات على خمسة
شعوب أخرى لا ذنب لها سوى إنها تعيش في جوار الفرس. حيث كان يتوهم رضا بهلوي أنه
يستطيع بناء شعب كامل المقومات عبر فرض لغة مشتركة ولو بالإكراه. شعب خطط له هو
ومن حوله آنذاك وأراده أن يكون شعبا فارسيا علمانيا. فحاصر تلك الشعوب وقطع عنها
كل سبل التواصل مع دول الجوار، لبنائها من جديد وصهرها على طريقته
الفارسية. 


لكن وبعد أن ثارت تلك الشعوب على النظام
البهلوي عام 1979 طالبة استرجاع حقوقها القومية، خدعت هذه المرة من قبل الملالي
الفرس، فتمت الإشارة للبعض من حقوقها في مادة أو مادتين من الدستور الإيراني
الإسلامي بشكل فيه الكثير من الخداع والغش ومُرر الدستور دون اعتراض يذكر لأن
الشعوب كانت تعيش حالة النشوة بعد انتصار ثورتها! حيث جاء في المادة الخامسة عشر
من هذا الدستور، إن اللغة والكتابة الرسمية والمشتركة هي الفارسية لشعب إيران
بأكمله، فيجب أن تكون الوثائق والمراسلات والنصوص الرسمية والكتب الدراسية بهذه
اللغة، ولكن يجوز استعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في مجال الصحافة ووسائل
الإعلام العامة، وتدريس آدابها في المدارس.


من خلال التدقيق في هذه المادة نستطيع
ملاحظة وجوب تدريس اللغة الفارسية من خلال مفردة يجب التي وضعت
خصيصا للغة الفارسية. وجواز تدريس اللغات الأخرى من خلال مفردة يجوز التي
وضعت للغات الأخرى. وهذا تمييز للغة شعب وهو الفارسي على حساب لغات الشعوب الأخرى
ودون وجه حق
.فلو رجعنا إلى التعداد السكاني لوجدنا إن الفرس يأتون في المرتبة الثانية بعد
الأتراك الآزريين.


أيضا لو دققنا أكثر في هذه المادة نجد
أنها تحتم أن تكون كتب التدريس مختصرة على هذه اللغة، وتجيز دراسة  أدب اللغات
الأخرى. أي إن الشعوب الأخرى لا تستطيع الدراسة بلغتها، بل تستطيع دراسة لغتها
فقط. بمعنى أدق يستطيع الطفل العربي الأحوازي مثلا دراسة اللغة العربية والأدب
العربي ولكنه لا يستطيع دراسة مواده الأخرى مثل العلوم الطبيعية والرياضيات
والتاريخ وعلم الاجتماع بلغته بل باللغة الفارسية، هذا لو افترضنا جدلا إن هذه
المادة ستفعل الآن ودون عراقيل ومماطلة كما عودنا الإيرانيون في جميع مواقفهم.
ورغم هذا عبر الكثير من الفرس عن تخوفهم على الخطر الذي يتهدد اللغة الفارسية إذا
ما تم تطبيق هذه المادة.


حقيقة الأمر ما تحتاجه اليوم الشعوب في
إيران وكحد أدنى من حقوقها الإنسانية المنتهكة وبالطبع لا يعني تنازلها عن حقها في
التحرر وتقرير مصيرها، هو الدراسة بلغة الأم وليس دراسة لغة الأم. كي يستطيع الطفل
المنتمي لأحد هذه الشعوب المتواجدة في إيران الحالية الحصول على ما يثري الجانب
المعرفي لديه. فالمدرسة ليست لتعلم اللغة فقط بل لكسب المعرفة والتنمية الفردية
والاجتماعية. وما التأخر الدراسي الذي يتحدث عنه الفرس المنتشر في مناطق الشعوب
غير الفارسية مقارنة بالمناطق الفارسية إلا نتيجة حتمية للدراسة بلغة غريبة غير
لغة الأم.


فالطفل العربي أو الكردي أو التركي أو
البلوشي أو التركماني يدخل المدرسة في السادسة من عمره وهو لا يستطيع صياغة جملة
واحدة بالفارسية بل البعض لا يستطيع نطق مفردة واحدة. ثم يبدأ صراعه المرير مع
تعلم اللغة الفارسية المفروضة بإرادة سياسية مستبدة وفي مخيلته إنه في المدرسة
لتعلم الفارسية فقط وليس لكسب المعرفة عبر دراسة العلوم المتعددة. ومع هذا الظلم
والاجحاف كله لازال الكثير من المثقفين الفرس يعتقدون إن العنصر الفارسي هو أذكى،
لهذا يتفوق على أقرانه المنتمين إلى الشعوب الأخرى، ويصل إلى مراحل أعلى في
الدراسة!

إن أهمية لغة الأم وأهمية الدراسة  بها بسبب
ارتباطها الوثيق مع بيئتها المحيطة بكل خصائصها. ويجب ألّا ينظر لها كلغة مجردة
بعيدة عن المحيط والواقع المعاش التي يتم تداولها فيه. إذن فليفهم الإيرانيون إن
الشعوب غير الفارسية ليس بحاجة إلى دراسة أدبيات لغاتها فقط، بل هي بأمس الحاجة
إلى دراسة جميع العلوم بلغاتها الأصلية وهذا حقها الطبيعي المغتصب منذ قرن من
الزمن. دعوا الشعوب تدرس بلغاتها وعندها تحدثوا عن تفوق وذكاء العنصر الفارسي على
غيره.

 

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث


 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى