آراء ومقالات

إيران والمستنقع السوري.. سوريا المحافظة الإيرانية رقم 35


للتدخل الإيراني في سوريا عدة أسباب، ويكمن السبب
الأهم في ضمان المد التوسعي الإيراني في المنطقة العربية المبني على أسس طائفية.


سقطت إيران أخلاقيّا وقانونيّا بسقوطها في المستنقع
السوري وتدخّلها العسكري المباشر لحماية “بشّار الأسد” المنحدر من
الطائفة العلويّة، ورغم إدعاء قادتها برفض الحلّ العسكري للأزمة السوريّة، إلّا
أن طهران درّبت عشرات الآلاف من قوّات الحرس الثوري وفيلق القدس وحزب الله
اللبناني وحوثيي اليمن وشيعة العراق والبحرين وزجتهم في الحرب الطاحنة بسوريا
لتمنحها صبغة طائفيّة باِمتياز.

وبعد اِصطفافها إلى جانب أميركا في اِحتلالها
أفغانستان والعراق، تدعي طهران أن التدخل الأميركي في كلا البلدين يُعد تدخلا
عسكريا أجنبيا غير مشروع، بينما قوانين “خامنئي” المستمدة من الغيب،
تبيح للدولة الفارسية الأجنبية، التدخل العسكري المباشر في الحرب السورية.

وللتدخل الإيراني في سوريا عدة أسباب منها المعلنة
ومنها الخفيّة، ويكمن السبب الأهم في ضمان المد التوسعي الإيراني في المنطقة
العربية المبني على أسس طائفية، وسعي طهران لإنجاح المعادلة الشيعية مقابل
الأغلبية السنية، وتمرير رسالة لشيعة المنطقة مفادها أن الولاء والتبعية لإيران
يساوي الفوز باِستمرارية الدعم الإيراني لها. ومن خلال ضمان هيمنتها على سوريا،
تهدف طهران لتأمين طريقها للبنان والبحر الأبيض المتوسط وتعزيز نفوذ حزب الله
اللبناني الموطن والإيراني العقيدة والولاء.

وعلى مر السنوات الماضية، أسس قادة الحرس الثوري
الإيراني لمشاريع اِستثمارية ضخمة في سوريا في مجال السياحة المذهبية الطائفية
بفضل وجود مرقد السيدة “زينب” اِبنة الخليفة “علي اِبن أبي
طالب”، التي يقال أنها دفنت بدمشق، إضافة إلى مزارات أخرى شيدتها إيران في
العقود الثلاثة الأخيرة وبدقة متناهية في اِختيار الموقع كونها تحيط بالعاصمة
دمشق لتطويقها، وإلى جانب الاِستثمار المذهبي، يمتلك قادة الحرس الثوري عقودا
لمعامل تصنيع الأسلحة بسوريا، الأمر الذي يدفع بإيران إلى القفز على كافة
المعايير الأخلاقية والقانونية لتتدخل بكل قوتها لحماية حليفها الاِستراتيجي منذ
35 عاماً.

ولا شك أن التدخل الإيراني على هذا النحو في سوريا،
لا يمكن أن يكون دون عواقب وتبعات سياسية واِقتصادية، وبسبب العقوبات الدولية ضد
طهران، وجدت الأخيرة نفسها مضطرة لبيع النفط عبر سوريا مقابل تزويد الأخيرة
بكميات من النفط مجاناً، ومنحت إيران قرضاً لـ”بشّار” بقيمة 3.5 مليار
دولار على أن يسدده بالتقسيط المريح، ونظراً للحرب التي تعيشها سوريا اليوم، فلا
يوجد سقف زمني محدد لتسديد الديون المترتبة على “بشّار”، ثم أن أي
حكومة تأتي من بعده، لا ترى نفسها ملزمة أصلاً بتسديد الديون لإيران، خاصة أن
قيادة الائتلاف السوري والجيش السوري الحر ترى في إيران طرفاً في الحرب، وقد
طالب رئيس الاِئتلاف “أحمد عاصي الجربا” وزراء الخارجية العرب
باِعتبار إيران دولة محتلة لسوريا.

في حين يؤكد “قاسم سليماني” قائد
“فيلق القدس” أن “إيران تهيمن على العراق وسوريا ولبنان”،
فإن “مهدي طائب” رئيس مقر “عمّار” الإستراتيجي التابع
لـ”مؤسسة الخميني”، يرى أن “سوريا هي المحافظة الإيرانية رقم
35”. علماً أن عدد المحافظات ضمن جغرافية ما تسمى بإيران لا تتجاوز الـ31
محافظة، ويأتي إعلان “طائب” سابقاً لأوانه معبراً عن المشروع الفارسي
التوسعي بتصنيف العراق وسوريا ولبنان والبحرين كمحافظات إيرانية حتى يكتمل الرقم
المعلن من قبله.

ولأن هذه المحافظة -كما يدعي الفرس- تعيش حالة حرب
دامية اليوم، فلا شك أن إدارة الحرب فيها تستنزف سياسة إيران واقتصادها، إذ أكدت
جريدة “لوفيغارو” الفرنسية أن “طهران ضخت 17 مليار دولار لدعم
بشار” حتى الآن، ولا شك أن تمويل وتجهيز عشرة آلاف مقاتل من عناصر الحرس
الثوري وفيلق القدس وقطعان المرتزقة الإيرانية وقوات حزب الله في سوريا، تتطلب أمولا
ضخمة، ثمّ إن الاِقتصاد الإيراني الهزيل والمعتمد على التهريب بنسبة 35بالمئة،
غير قادر على تغطية نفقات الحرب وتسديد فواتير الأسلحة الروسية المتدفقة
لـ”بشار”.

ولا يمكن لإيران تحمل تدفق جثث جنودها العائدين من
المستنقع السوري المقتولين على يد الجيش الحرّ، كما أن إيران لا تخلو من الأصوات
المناهضة للتدخل في سوريا العربية، وبدوافع عرقية وعنصرية، ترفض هذه الأصوات دعم
إيران للفلسطينيين العرب كما يدعون.

وعلى الصعيد السياسي خسرت إيران حليفها السني
الوحيد المتمثّل في “حركة حماس”، لتأخذ الحرب السورية وبمباشرة إيرانية
منحا طائفياً غير مسبوق، فساهمت بقوة في إحباط إدعاءات طهران مناهضتها للطائفية
ومناصرتها للمقاومة المزعومة، كما أسقطت الحرب السورية القناع عن الوجه القبيح
لحزب الله اللبناني، ففضحت زيف إدعاءاته من أنه “لن يستخدم سلاحه إلا ضد
إسرائيل”؛ علماً وأن هذا الحزب تورط عام 2005 في قمع “اِنتفاضة
الإرادة الأحوازية”، فساهم بقوة في قمع المنتفضين الأحوازيين الرافضين
للاِحتلال الأجنبي الفارسي والمنادين بالتحرير والاِستقلال، ناهيك عن مشاركته
الواسعة في أعمال التخريب والتفجيرات والاِغتيالات ضد الوطنيين العراقيين.

وسواء سقطت بقايا النظام في سوريا أو استمرّت الحرب
فيها، فإن النتيجة الحتمية هي استنزاف إيران على كافة الأصعدة، فسقوط
“بشار” لن يؤدي إلى استعادة طهران تلك الأموال المهولة التي ضختها
لتأجيج حربها الطائفية في سوريا، أما بقاء الوضع الراهن فسوف يترتب عليه المزيد
من الاِستنزاف الإيراني في المستنقع السوري، وربما ينتهي الوضع بها إلى ما آلت
إليه الأوضاع بالإتحاد السوفييتي في أفغانستان ومن ثمّ تفكيك الإتحاد واِنهياره.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى