آراء ومقالات

إذلال طهران ونجاعة الاتفاق النووي


 

 

 

بدأ التسويق للاتفاق الذي حققه فريق ظريف على نطاق واسع في الوسط
الإعلامي الإيراني الرسمي من جهة، ومن عبدة التومان الإيراني من العرب وما أكثرهم
من جهة ثانية، وكأنه انتصار!! ومن أراد أن يعرف مدى حاجة النظام لهذا النصر
البطولي المذل لابد من أن يتعمق

في حجم المشكلات الاقتصادية التي بدأت تنخر بالنسيج الاجتماعي
الإيراني المتناقض بالأصل، والتي من الممكن أن تفكك الدولة الإيرانية الحالية،
وهذا السبب الرئيسي وراء تحرك رفسنجاني ودعمه “لحكومة الاعتدال” رغم
انزوائه في أواخر عهد أحمدي نجاد على ضوء الإهانات التي طالته من قبل التيارات
المتصارعة على الحكم!! وللوقوف على الأسباب الحقيقية وراء هذا الاتفاق علينا أن
نتعرف على ضلعي النظام ومدى تحكمهما بالدولة والمجتمع الإيراني الحالي
اقتصادياًواجتماعياً وسياسياً.

 

 ولي الفقيه وبيته المعطى:

هذا البيت يعتبر أمبراطورية يتحكم في كافة المفاصل السياسية
والاجتماعية والاقتصادية داخل حدود إيران، وكذلك له امتدادات خارج حدود الجمهورية
الإسلامية، ومن أهم المؤسسات التابعة لهذا البيت هي المؤسسات التي تعرف بـ
“بنياد مستضعفان” و”بنياد شهيد” و”كميته امداد”
وكذلك كافة الأوقاف الخيرية، والعتبات “المقدسة” داخل إيرانوالتي يفوق
عددها المئات. هذه المؤسسات الحكومية الدينية الاقتصادية العملاقة التي تأتمر بأمر
“بيت رهبري” أي بيت المرشد، وتشرف على هذه المؤسسات كتلة بشرية التي في
الكثير من الأحيان لا تدين بالولاء لصاحب البيت، إنما رغبة منها في كسب الجاه
والمال، كما تعتمد شرائح بشرية فقيرة واسعة تعيش على المساعدات التي تقدمها هذه
المؤسسات التابعة لـ “بيت رهبري”. وعادة ما يتم توزيع عائدات المؤسسات
الخيرية والمقامات(القبور) لشراء الولاء لرجال الدين، هذا البيت بحاجة لسيولة
هائلة ليتمكن من الاستمرار في التحكم والسيطرة على عقول الأبرياء وهم السواد
الأكبر من المجتمع الإيراني، لذا تصدير النفط حاجة أساسية بل الوحيدة لاستمرارية
البيت السخي!!    

 

الحرس الثوري”سپاه”:

وسع الحرس الثوري نفوذه السياسي والاقتصادي في عهد رفسنجاني، وفي
فترة أحمدي نجاد تحول لأهم المقاولين للعقود الاقتصادية الضخمة مما تحولت مؤسسة
“خاتم الأنبياء” الواجهة الاقتصادية والثقافية والخدمية العملاقة للحرس
الثوري داخلياً وخارجياً إلى قطب اقتصادي لا تقبل بالعقود الأقل من 100 مليون
دولار (فارس نيوز، 22/11/2012)، وعلى ضوء هذا التوجه الاقتصادي للحرس الثوري المدعوم
سياسياً من قبل “بيت رهبري” باتت العقود التي في حوزة هذه المؤسسة
العسكرية الاقتصادية الثقافية (السپاه) تصل مئات المليارات الدولارات. فحسب
الإحصائيات التابعة للحرس الثوري إن عدد موظفي “خاتم الأنبياء” يصل إلى
45 ألف منهم ألفين من الحرس الثوري، وما يقارب 5 آلاف مقاول، وأكثر من 150 ألف
عامل يومي، (المستشار القانوني للحرس الثوري، 21/1/2013). وللمهمة الأولية التي
تأسس من أجلها الحرس الثوري وهي حماية الثورة والتي قد تستمر لظهور المهدي
المنتظر، استوجب على الحرس الثوري أن يتحول إلى دولية داخل دولة، بل سلطة شاملة يتحكم
بأهم ملفات الدولة الإيرانية. وعلى رأس هذه الملفات الملف النووي المثير للجدل
بحيث كافة الأنشطة العسكرية حصراً بيد الحرس الثوري وعلى درجة كبيرة من السرية لا
يعرفها حتى المرشد “علي خامنه اى”. هذا النشاط السياسي والاقتصادي
والعسكري الضخم العابر للحدود للحرس الثوري ذات الأبعاد الإيديولوجية يعتمد بشكل
أساسي على صناعة النفط ومشتقاته، لذا لاستمرارية هذا العمل لابد لشريان النفط أن
يستمر بالتدفق وباستمرار. 1

 

ضرورة الاتفاق وشبح الانهيار:

أوصلت سياسات ضلعي النظام “بيت رهبري” من جهة
و”الحرس الثوري” من جهة ثانية الاقتصاد الإيراني لحافة الانهيار، بحيث
تشير الاحصائيات أن الاقتصاد الإيراني يعتمد على صناعة النفط ومشتقاتها يصل إلى
88% من إجمالي النشاط الاقتصادي داخلياً وخارجياً. 1

 

هذه السياسات الخاطئة للدولة الإيرانية التي يتحكم بقراراتها
السياسية والاقتصادية قادة الحرس الثوري وبمباركة من ولي الفقيه أصبح المواطن
الإيراني في أمس الحاجة لرغيف الخبز.

 

هذا الوضع الاقتصادي المتردي أضفى عدة تحديات سياسية واقتصادية ومن
الممكن أن نجملها على الشكل التالي:

سياسياً، تخوف النخبة الفارسية من انهيار الدولة الإيرانية من جراء
التصاعد المستمر للمطالبات الحقة لأبناء الشعوب في جغرافية إيران الرامية لنيل
الحقوق التاريخية والقومية، ولا سيما الأحداث الجارية على طريقة توزيع المياه بين
الأقاليم والتي نشبت مواجهات دامية في أصفهان، واحتجاجات واسعة في كل من آزربايجان
على تجفيف بحيرة أرومية، وفي الأحواز على تجفيف نهر كارون الحياتي، وكذلك في
بلوشستان وكوردستان على إثر الإعدامات التي نفذتها الجمهورية الإسلامية ضد
مواطنيها رداً على قتل جنودها في بلوشستان من قبل حركة جيش العدل. 1

 

اقتصادياً، جراء التخبط في السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة
على سدة الحكم في الجمهورية الإسلامية، تشير الاحصائيات المستقلة لعام 2013، إن
التضخم الاقتصادي وصل إلى 47% وبنسبة نمو اقتصادي 5.4 تحت الصفر ليصل عدد العاطلين
عن العمل إلى 7 مليون شخص، في حال تؤكد السلطات الحكومية إن نسبة البطالة تصل إلى
27%. 1

 

وبسبب المشاكل المتزايدة التي بدأت تنخر في جسم المجتمع الإيراني
بات يدخل سنوياً 600 ألف سجين للسجون الإيرانية حيث صرح المساعد للشؤون
الاستراتيجية للقضاء الإيراني محمد باقر ذوالقدر بتاريخ 9/1/2013 “إن هذه
النسبة نتيجة الجرائم المختلفة كـ السرقة والتزوير والقتل وغيرها من الجرائم
الأخرى. ومن خلال التصريحات التي يدلوا بها كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية
الإيرانية يدل إن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي بسبب العقوبات وصل إلى درجة
خطيرة قد يؤدي إلى انهيار الدولة الإيرانية، حيث تفيد هذه التصريحات وعلى سبيل المثال
لا الحصر:

  • الجنرال “حسن بتولي”
    رئيس الشرطة الإيرانية “نيروى انتظامى ناجا” بتاريخ 24/12/2011
    قال:

 “إن سنوياًلدينا 13 مليون ملف في
القضاء” وهذا يعني في حال أخذنا حد أدنى لكل ملف ثلاثة أشخاص، هذا يعني 39
مليون من المواطنين الإيرانيين يدخلون المحاكم الإيرانية سنوياً. وكذلك قال،
“إن يوجد لدى القضاء 20 ألف ملف لعمليات التزوير للوثائق والمستندات”
وهذا يعني أيضاً إذا حددنا كل ثلاثة أشخاص لملف واحد هذا يعني 60 ألف حالة تزوير
سنوياً في إيران. وأكد الجنرال حسن بتولي إن 60% من الذين يدخلون السجون
الإيرانية، يدخلونها للمرة الأولى.

 

  • نائب وزير القضاء (العدل)
    الإيراني “غلام رضا سعيدي” قال بتاريخ 24/11/2011، “إن هنالك
    20 مليون مواطن إيراني هم عرضة للأخطار الاجتماعية ويعيشون تحت خط الفقر
    وبحاجة ماسة للمساعدات العاجلة”.1

 

  • رئيس جمعية العمل الاجتماعي
    “سيد حسن چلک”حیث قال، “إن في الطب الشرعي الإيراني يوجد 48
    ألف ملف للصراعات والعنف الاجتماعي”، وهذا يعني إذا أخذنا حد الأقل لكل
    ملف ثلاثة أشخاص يصبح لدينا 144 ألف شخص سنوياً.

 

 

  • وبحسب التقرير السنوي لدائرة
    النفوس الإيرانية لعام 2013، إن حالات الطلاق بلغت 81595 حالة.

 

هذه المأساة الحقيقية للمجتمع الإيراني دفعت بالكثير من الشباب
للهروب من إيران باحثين عن مستقبل أفضل، مما تشير بعض الاحصائيات التابعة للمنظمات
الحقوقية إن عدد المهاجرين والباحثين عن حق اللجوء من الإيرانيين في أوروبا لعام
2013 وصل تقريباً 20 ألف. وعلى إثر الوضع الاقتصادي الصعب لعدم وجود السيولة بسبب
الحصار المفروض على إيران وضعف القوة الشرائية للمواطن الإيراني بدأت تنهار
تدريجياً المصانع والشركات الخاصة، ولا سيما الشركات ذات الدعم الحكومي القوي، حيث
قال نائب وزير الصناعة الإيراني “سيد محمد علي سيد أبريشمي” إن 18% من
الورشات الصناعية الصغيرة والمتوسطة الخاصة في المدن الصناعية أفلست كلياً.

 

في حال تؤكد الاحصائيات المستقلة إن عدد الشركات والمصانع التي
أعلنت إفلاسها تجاوز 3500، حيث أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني بتاريخ 21/10/2013
“إن الدين الحكومي للبنوك والقطاع الخاص وكذلك المقاولين يفوق 180 ألف مليار
تومان إيراني”، لكن بعض الدوائر الحكومية المطلعة تفيد إن الدين العام
الحكومي للبنوك تجاوز الـ 500 ألف مليار تومان إيراني.

 

وعلى ضوء هذا الإفلاس الاقتصادي الذي يعصر بالدولة الإيرانية أعلن
المدير العام للشركة الوطنية لصناعة الغاز الإيرانية العملاقة بتاريخ 16/11/2013
عن إفلاس هذه الشركة كلياً وحدد خسائرها بـ 10 آلاف مليار تومان إيراني.

 

لذا تأتي نجاعة هذا الاتفاق في واقع الأمر إذا تمكنت إيران فعلاً
أن تفك الحصار، حيث التيار الجديد الذي تشكل مؤخراً ويعتبر هاشمي رفسنجاني المحرك
الأساس له، أدرك أن الدولة الإيرانية تواجه خطر الانهيار الحقيقي، لذلك يرى
رفسنجاني إن البوابة الحقيقية للانفراج في العاصمة السعودية، لكن يا ترى هذا
الثعلب المكار هل يستطيع أن يمررها هذه المرة على أبناء الخليج العربي؟ ومن جانب
آخر من يعتقد أن الاتفاق النووي هو انتصار للدبلوماسية الإيرانية خاطئ، وما تم
الإعلان عنه لبنود الاتفاق في حقيقة الأمر هو إذلال بما تحمله الكلمة من معنى،
اللهم إذا كان هناك اتفاق قد حصل في العاصمة العمانية مسقط بين الحرس الثوري
والأمريكان على حساب الأشقاء الخليجين هذا ما ستكشفه الأيام.

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى