آراء ومقالات

ماراثون النصف سنة



                   
                  

اتفقت
أمريكا ومعها الغرب مع إيران حول برنامج الأخيرة النووي، والتصريحات المتناقضة
التي أطلقها الرئيس الإيراني روحاني بعيد توقيع الاتفاق وما يناقضها من تصريحات
أدلى بها وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية جون كيري في نفس التوقيت مؤشرعلى
وجود خديعة في الموضوع يجب توخي الحذر منها. يقول روحاني إن الاتفاق لا يمنع إيران
من مواصلة تخصيب اليورانيوم وهو انتصار لإيران، ويقول كيري عن الاتفاق أنه يمنع
إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم.


 أيهما يريد حفظ ماء وجه بلاده نتيجة تنازله عن مواقف سابقة، هذه النقطة ليست ذات
أهمية فأمريكا من خلال ازدواجية معاييرها لم يتبق لها ماء وجه لتحافظ عليه، وإيران
كذلك لا تهتم بحفظ ماء وجهها وهي التي ضربت عرض الحائط كافة شعاراتها الثورية
الرنانة ومرتكزات سياستها المتطرفة التي أسسها خميني في الكثير من مواقفها ولم يبد
عليها علامات الإحراج، بل كانت تتفاخر بمواقفها المتناقضة المثيرة للجدل، مثل
دعمها للشيطان الأكبر أمريكا في حربيها ضد أفغانستان والعراق.


لكن لماذا نصف سنة لاختبار حسن النوايا من قبل الطرفين. هذه النقطة المثيرة في
الموضوع. أيوجد عاقل على هذه الكرة الأرضية لا يزال يشك في مراوغة إيران وفي كل
مواقفها وهي التي تثبت للعالم يوماً بعد يوم أنها لا تؤتمن، ولكن يبدو أننا لا نستطيع
تطبيق الحديث القائل، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين.


 وعود خامنئي، المرشد الإيراني، للعالم أن الإسلام يمنع إيران من امتلاك القنبلة لا
يصدقها إلا السذّج وليست ذات مصداقية. الجميع يعلم وبما فيهم خامنئي نفسه أن
الإسلام يمنع منعاً باتاً أيضاً انتهاك حقوق الإنسان كالتعذيب والقتل والتمييز
العنصري واحتلال بلاد المسلمين والظلم والاستبداد. ويمنع أيضا التجويع وسلب أراضي
الفقراء وقطع المياه عنهم وانتهاك حرياتهم وكراماتهم. وهذه الممارسات كلها يمارسها
النظام الإيراني وعلى رأسه خامنئي ضد الشعوب غير الفارسية وبالأخص الأحوازيين المغضوب
عليهم في قاموس السياسات الفارسية بسبب عروبتهم واعتزازهم بها، ويمارس الكثير منها
أيضا هو ومرتزقته في سورية بالذات ضد شعب مسلم أعزل لا يملك شيئاً غير ثقته بالله
سبحانه وتعالى حيث منذ انطلاق ثورته كان شعاره: مالنا غيرك يا الله!


إذن كيف يستطيع العالم التثبت من حسن نوايا إيران وصدقها وهي التي لم تترك مجالاً
لذلك. إذ بين الحين والآخر ومنذ انكشاف مشروعها النووي السري تماطل وتناور وتكذب،
وبين فترة وأخرى يكشف لها موقع لتخصيب اليورانيوم. فلو كانت إيران لا تريد صنع
القنبلة النووية لماذا لم تخبر الأمم المتحدة في بداية إنشائها لأي موقع يختص
بالنووي.


يعتقد البعض أن أمريكا حالياً تواجه أزمة اقتصادية خانقة أو بالأحرى مدمرة
استطاعت لحد الآن التستر عليها كي لا ينهار اقتصادها، وهي لا تستطيع في وضعها
الحالي المشاركة في أي عمل عسكري أو حتى التلويح به، وملف إيران النووي لا يحل إلا
بإزالته من الأساس وبأي طريقة وإن كانت عسكرية. لذلك الانحناء أمام أي عاصفة يبدو
أنه الحل الأمثل لأمريكا.


ويبقى المستفيد من هذا الاتفاق المبدئي أو الأولي أو المؤقت كما ذكر في الأعلام هي
إيران وحدها. واستفادتها لا تتعدى أحد أمرين؛ إما ان تكون متأكدة تماماً أنها
بحاجة إلى فك جزئي للحصار المفروض عليها كي تستطيع شراء ما تحتاجه من التقنية
الحساسة الخاصة بصنع القنبلة النووية خلال هذه الفترة الزمنية ومن ثم تبدأ في خرق
هذا الاتفاق، أو تريد شراء سكوت الغرب تجاه ما اقترفته وتقترفه يداها ضد أبناء الشعب
السوري ولفترة ستة أشهر فقط تراها هي كافية لإعلان النصر على أهل السنة والأخذ
بثارات الحسين من أهل الشام كما يعتقد ملالي طهران، أو قد تكون طامعة في الإثنين
معاً، أي تصنيع القنبلة النووية والتنكيل بأهل السنة.


إذن خلال هذا الماراثون الذي تتسابق خلاله إيران وحدها مع الزمن وليس مع الغير
فلننتظر جرائم أبشع من تلك التي حصلت في القصير وغوطة دمشق بحجة الدفاع عن الشيعة
وعن مقام السيدة الزينب وتدخلات أكثر في البحرين ولبنان والكويت. وخلال الستة أشهر
هذه فلنتوقع أيضاً نشاطاً تجارياً في المجال النووي من إيران، قد تكون الكثير من
الشركات الأوربية قد تهيأت له منذ اللحظة. وبين هذا وذاك قد تضيع الكثير من الحقوق
العربية سواء في سورية أو في الخليج العربي إذا بقي الحال كما هو عليه دون وجود
مشروع عربي مستقل رادع لإيران وغيرها ممن لا يدخرون جهداً للنهش في جسد هذه الأمة
العربية المسلمة، لتفتيتها وتدميرها انتقاماً لهزيمة قد الحقتها بالفرس والأوربيين
عبر الفتوحات الإسلامية منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرناً من الزمن.



مركز
المزماة للدراسات والبحوث


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى