آراء ومقالات

إعدام شاعر




قبل أسبوعين فقط أقدمت
السلطة في إيران على إعدام الشاعر الشاب هاشم شعباني. هاشم لم يتعد من العمر اثنين
وثلاثين عاما بيد أنّ له سجلا طويلا وحافلاً في الدفاع عن حقوق الانسان والحريات الثقافية
اضافة الى انّ المحيط الثقافي عرفه بوصفه شاعراً يكتب باللغتين العربية والفارسية
.

مثلّت الأحواز موطنه عشقه
الكبير فعلى أرضها وُلد وترعرع وتمنى أن يموت على ترابها بين ابنتيه اليافعتين وزوجته
التي أحبّها وظلّ مخلصا لها حتى آخر يوم في حياته. كانت دراسته بجامعة الأحواز حيث
حصل على ماجستير في العلوم السياسية وفي الثمانينات من القرن الماضي انتقل شعباني الى الخلفية للاعتناء بوالديه المسنين وكان والده معاقاً نتيجة لإصابته في الحرب العراقية
الايرانية
.

الذين عرفوا شعباني عن
قرب لمسوا فيه رجل سلام وتفاهم اذ كرّس جُلّ أشعاره لوصف جمال الأحواز وتمجيد طبيعتها
ففي احدى قصائده وصف لنهر كارون أكبر الأنهار. غنى للوديان والرمال والعشق والظباء
بقوافٍ بديعة لا تتأتى الاّ لقلة من أمثاله الموهوبين. وعندما اعتقلته السلطة الايرانية
قبل عام واحد كان وقع القرار قاسيا عليه لكون الرجل لم يقترف من الجرم ما يستدعي الاعتقال
حتى نفذ فيه حكم الإعدام شنقاً حتى الموت
.

وفي ليلة الإعدام كتب
قصيدته الأخيرة التي اختزل فيها التهم الموجهة اليه وجاء فيها “سبعة أسباب تكفي لأموت..
لسبعة أيام وهم يصرخون بي أنت تشن حرباً على الاله.. في السبت قالوا لانك عربيّ.. في
الاحد لانك من الاحواز.. في الاثنين تذكر انّك ايراني.. في الثلاثاء انت سخرت من الثورة
المقدسة.. في الأربعاء ألم ترفع صوتك على الآخرين.. في الخميس أنت شاعر ومغن.. في الجمعة
أنت رجل كافر.. الا يكفي هذا لتموت
”.

في عهد الرئيس محمد خاتمي
أسس الشاعر هاشم الشعباني بالاشتراك مع المعلم الراشدي والمهندس العموري وآخرين مركز
“الحوار” الثقافي لترويج اللغة والثقافة العربيّة انسجاماً مع الشعار الذي طرحه خاتمي
الداعي الى حوار الحضارات. وبالرغم من عدم السماح له بنشر شعره خلال السنوات الثماني
في عهد الرئيس خاتمي الاّ أنه لم يكن يمانع اقامة جلسات شعرية في موطنه الأحواز ومدن
أحوازية اخرى
.

إنّ مأساة هاشم الشعباني
حسب علمي ليست هي المأساة الاولى ولن تكون الأخيرة في تاريخ المبدعين. فقد تعرض قبله
الكثيرون على امتداد التاريخ الإسلامي الى المصير المفجع ذاته ابتداءً من الحلاج الى
السهروردي وحتى عصرنا الوقت المعاصر. وإذا كان قتل الشعراء الذين ملأوا الدنيا فرحا
وعنفوانا هو اعلان باغتيال كل من يغرد في الحياة اعتقادا من القتلة أنهم يسكتون البلابل
عن التغريد فإنهم واهمون جداً
.

ما يدعو إلى الأسى أنّ
إعدام انسان كهاشم شعباني كون هذا الشاعر البسيط إنسانا مسالماً ومثقفا لم يشكل أي
خطر في يوم من الايام على أحد. السؤال الذي نحن بصدده لماذا يخافون من الكلمة؟ والاجابة
ببساطة لاحساسهم بالضعف ولانها، وهذا هو المهم، تزلزل الارض تحت اقدامهم. وأتذّكر أنّ
الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط أطلق مقولته الخالدة “إنّ الكلمة هي خطوة متقدمة
الى المقبرة.. اننا نحن الشعراء ليس امامنا سوى الكلمة نلجأ اليها ونحتمي بها كما كان
الانسان البدائي يلجأ الى جذع الشجرة خوفا من الوحوش والضواري المفترسة من حوله”. لكن
كيف تحمي الكلمة صاحبها وهي بحاجة الى من يحميها؟ ذلك هو السؤال.


نقلا عن البلاد

تنويه: تم تغيير اسم الأهواز الى الأحواز



اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى