آراء ومقالات

#أحوازنا-قراءة في حيثيات الشارع السياسي الإيراني وإمكانية التغيير

شهدت إيران في الأشهر القليلة الماضية ثلاثة أنواع من الانتخابات (البلدية والبرلمانية وخبراء القيادة)، راهن عليها الجوار العربي كعادته، وبعض من الدوائر السياسية الغربية المعنية بالوضع السياسي الإيراني، وذلك على أمل أن تتغير سياسات طهران في حال فوز التيار الإصلاحي/المعتدل، وبالتالي ربما يعم الأمن والاستقرار في العالم العربي أهم مناطق العالم تأثيراً في الاقتصاديات، وأكثرها دموية في الوقت الراهن.

ولعل ما سربته قناة «بي بي سي الفارسية» البريطانية من وثائق في الأيام الماضية، تقول إنها حصلت عليها من الإدارة الأميركية، والتي تتحدث عن اتصالات سرية للغاية كانت قد تمت عام 1963 قبل الثورة الإسلامية، وأخرى قبيل انتصارها عام 1979 بين مؤسس الثورة الإيرانية روح الله خميني ورؤساء سابقين للولايات المتحدة الأميركية كل من جيمي كارتر وجون كينيدي، وفي أكثر من مناسبة. وتفيد هذه الوثائق بأن خميني تعهد للإدارة الأميركية أنه حريص على مصالحها في المنطقة، وأنه يتعهد بعدم تصدير ثورته الشيعية إلى الجوار العربي!!

وفي واقع الأمر، تبين هذه الوثائق لنا جلياً، أن الكذب سمة امتازت بها الشخصية الفارسية منذ عقود، وتوارثها الساسة الجدد في طهران، وما نشاهده اليوم من مراوغة وخداع سياسي ما هو إلا غيض من فيض، والرهان على هذا التغيير المفترض الذي طال انتظاره والذي قارب أربعة عقود من عمر الجمهورية الإسلامية -أي حكومة الملالي- ما هو إلا وهم ليس إلا.

وبما أن العرب هم الأكثر تضرراً من سياسات طهران العدوانية، وكثيراً ما يعوّلون على الإصلاحيين في إيران، فلابد من الإشارة إلى أن الإصلاحيين ومنذ ظهورهم في عام 1997، مروا بثلاثة مراحل مختلفة، فشلوا فيها جميعها، لأنهم كانوا ضرورة سياسية وظفتها طهران في تلك المراحل الزمنية لصالح استمرارية النظام الجمهوري الإسلامي «الشيعي» في إيران والمنطقة عموماً. وبالرغم من الفترة الذهبية التي سنحت لهم -أي الإصلاحيون- في المرحلة الأولى التي سميت بالخاتمية، إلا أن هذه الفترة من أهم الفترات التي استطاع من خلالها فيلق القدس أن يتمدد في الأقطار العربية كافة، وما نشاهده اليوم من اقتتال طائفي عمّ العديد من المناطق العربية، هو نتيجة حتمية لتلك الفترة الإصلاحية، وما تلاها من سياسات إيرانية ذات طابع طائفي بالتأكيد.

وكما هو معروف للقارئ الكريم، من أن عملية التغيير في المجتمعات تحدث عادة من خلال النشاط المؤسساتي المدني والحقوقي والسياسي. وعليه، من الضروري بمكان أن نشير إلى أنّ مفهوم العمل المؤسسي ولا سيما عملية التغيير في إيران، لا يتماشى كلياً مع طبيعة النظام الشيعي -الثيوفارسي- الحاكم في طهران، الممتنِع عن قبول الآخر، إن كان كياناً سياسياً أو قومياً أو ثقافياً. فهذا النظام، يتحكّم بالحياة السياسية للبلاد من هرم السلطة -القصد هنا ولاية الفقيه-، وليس كما هو متعارف عليه في المفهوم الحزبي، حيث يخضع القرار السياسي لرغبات القاعدة -أي الجماهير-، وهذا ما لا يسمح به أبداً ملالي طهران ومؤسساتهم العملاقة المنتشرة في كل أنحاء البلاد.

ففي حال سمحوا بإنشاء تنظيمات سياسية على سبيل المثال، فهذا يعني بالتأكيد، تحوّل هذه التنظيمات إلى خطر حقيقي يهدد النظام ومكانة المرشد الذي يستمد قدسيته من مكانة الإمام في الفقه الشيعي، أي ولي أمر المسلمين/الولي الفقيه، وهو مفهوم عابر للحدود ومكمِّل للمشروع الطائفي القومي الفارسي.

لذا، اشترط الدستور الإيراني على التنظيمات السياسية والثقافية والدينية في المادة الـ 26 من الدستور على أنّ: “الأحزاب، والجمعيات، والهيئات السياسية، والاتحادات المهنية، والهيئات الإسلامية، والأقليات الدينية المعترف بها، تتمتّع بالحرية، بشرط ألّا تناقض أسس الاستقلال، والحرية، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، وأساس الجمهورية الإسلامية …”. ومن هنا، فإن الشرط الذي وضعه الدستور الإيراني: “ألا تناقض هذه التنظيمات الأسس والقيم الإسلامية -أي، المفهوم الشيعي الفارسي القومي-، وأسس الجمهورية الإسلامية -الأفكار الثورية الخمينية-، هو شرط تعجيزي، وإجراء إقصائي عملي بامتياز تجاه كافة التنظيمات والقوى السياسية والقومية والثقافية والدينية في إيران.

وبالرغم من مرور قرابة أربعة عقود من عمر الثورة الإسلامية في إيران، إلّا أنّنا لا نرى أي وجود عملي للأحزاب السياسية ذات التوجه المختلف عن النظام الشيعي الفارسي الحاكم في طهران، حيث تمّت تصفية كافة القوى السياسية التي كانت نشطة في الشارع الإيراني قبل وبعد انتصار الثورة بسنوات قليلة جداً. كما كان للحرب الإيرانية-العراقية الفضل في تصفية الخصوم، ولاسيما القضاء على تطلعات الشعوب في جغرافية إيران السياسية الحالية الرامية لنيل الحقوق والعيش الكريم. وعليه، يمكن تصنيف القوى والتنظيمات السياسية المسموح لها بالعمل ولاسيما توجهاتها العامة، والتي لا تشكل أي تهديد حقيقي على مستقبل النظام في المدى المنظور، على النحو التالي:

أولاً: التيار الأصولي (اصولگرا)، يعتبر هذا التيار من أهم التيارات النشطة في إيران، ويشكِّل أتباع خميني وخامنئي القاعدة الرئيسة لهذا التيار العريض والمسيطر على العمل السياسي في طهران. ومن أهم الأهداف المعلنة لهذا التيار:

تبني السياسات القائمة حالياً في الداخل الإيراني والمحافظة عليها.
ضرورة تنفيذ القيم التقليدية الثورية في كافة المجالات الاجتماعية والثقافية واستمرارها.
تعزيز مكانة جمهورية إيران الإسلامية في المنطقة.
اعتماد السياسات الاقتصادية التي أعلن عنها المرشد والتي عُرِفت بـ “الاقتصاد المقاوم”.
ولابد من الإشارة أيضاً، إلى أن هذا التيار مؤمن إيماناً راسخاً بصلاحيات المرشد غير المحدودة، والداعم الرئيس له وللسياسات الخارجية للدولة الإيرانية. ويعتبر علي لاريجاني الرئيس الحالي للبرلمان الإيراني الممثل الأبرز لهذا التيار. كما يُعتَبر علي أكبر ولايتي المستشار الأعلى للمرشد علي خامنئي، المنسق العام للقوى المنضوية في هذا التيار. إضافة إلى التيار الحكومي الحالي، والذي يُعرَف بـ “التيار الأصولي المعتدل” والذي يقوده الرئيس حسن روحاني.

وعليه، يتشكل هذا التيار من قوى ثقافية ودينية وسياسية كثيرة تدين بالولاء التام للنظام، ومن أهمها:

جامعتين: ويتشكّل هذا التيار من قوتين سياسيتين متفقتين على مجمل السياسات الداخلية والخارجية المطروحة في البلاد، وهما: الأولى، “جامعه روحانيت مبارز”، وأمينها العام آية الله محمد علي موحدي كرماني. والثانية، “جامعه مدرسين حوزه علميه قم”، وأمينها العام آية الله محمد يزدي.
جبهة بايداري إسلامي: الأمين العام لهذه الجبهة مرتضى آقاطهراني، والأب الروحي لها هو آية الله محمد تقي مصباح يزدي.
حزب مؤتلفه إسلامي: وأمينها العام محمد نبي حبيبي.
جمعيت ايثارگران انقلاب إسلامي (جمعية المحاربين القدامى للثورة الإسلامية): وأمينها العام حسين فدايي.
جامعه اسلامي مهندسين: وأمينها العام محمد رضا باهنر.
أما أهم قادة هذا التيار، فهم:

آية الله محمد يزدي.
آية الله موحدي كرماني.
آية الله محمد تقي مصباح يزدي.
وأهم الشخصيات السياسية لهذا التيار، هم:

آية الله أحمد جنتي.
آية الله أحمد خاتمي.
آية الله سيد محمود هاشمي شاهرودي.
محمود أحمدي نجاد (الرئيس السابق).
سعيد جليلي.
علي لاريجاني.
غلام علي حداد.
وتتكون القوى السياسية المؤتلفة مع هذا التيار، من:

ائتلاف آبادگران إيران الإسلامي (ائتلاف بناء إيران الإسلامية): مؤسسه وأمينه العام محمود أحمدي نجاد.
جبهة متحد اصولگران (الأصوليين): أمينه العام آية الله مهدوي كني، والمتحدث الرسمي باسمه علي أكبر ولايتي.
ثانياً: التيار المعتدل (طيف اعتدالگرا): يعزو البعض ظهور هذا التيار للحالة التي سادت في إيران خاصة بعد أحداث 2009 (احتجاجات الحركة الخضراء)، والتي تمّ على إثرها استبعاد التيار الإصلاحي كلياً من المشهد السياسي. ومن أهداف هذا التيار:

إيجاد أرضية مناسبة لمعالجة الإشكال الذي حصل بعد الانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة (2009)، بين المكونات الاساسية للنظام، والتي فاز بها محمود أحمدي نجاد رئيساً للبلاد.
إلا أنّ هذا التيار، وبعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة (2013)، وفوز حسن روحاني، المدعوم من قبل رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، هاشمي رفسنجاني -عراب هذا التيار ومؤسسه-، أخذ دفعة سياسية قوية، مكّنته من تمرير بعض السياسات الضرورية، للعبور بالنظام إلى برّ الأمان، من سقوط حتمي كاد أن يقع بسبب الانهيارات الاقتصادية التي مُنِي بها النظام قبيل الموافقة على المطالب الدولية.

ومن أبرز أهدافه السياسية المستعجلة التي كان يتطلع إلى تحقيقها:

المفاوضات النووية وضرورة نجاحها.
تحسين العلاقة مع الغرب.
تحسين الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني في الداخل الإيراني.
أما القوى السياسية التابعة لهذا التيار فهي على النحو التالي:

حزب البناء (حزب كارگاران سازندگی): تشكل عام 1995، ويعتبر الواجهة الحقيقية لهاشمي رفسنجاني، إلا أنّ المؤسِّس والأمين العالم له هو غلام حسين كرباسجي، عمدة طهران السابق.
حزب الاعتدال والتوسعة: أسّسه حسن روحاني عام 1999، أما الأمين العام لهذا الحزب فهو محمد باقر نوبخت حقيقي. وأبرز قادة هذا الحزب، هم:
علي أكبر هاشمي رفسنجاني.
حسن روحاني.
ناطق نوري.
ويُعتَبر ناطق نوري، الرئيس السابق للبرلمان الإيراني، الرابط بين حزب الاعتدال والتوسعة من جهة والتيار التقليدي والتيار الأصولي الموالي للحكومة من جهة أخرى. كما يعتبر غلام حسين كرباسجي، عمدة طهران السابق في عهد محمد خاتمي، والذي لمع اسمه ثانية، المنسق العام بين هذا الحزب والتيار الإصلاحي الذي يعاني منذ عام 2009.

ثالثاً: التيار الإصلاحي (اصلاح­ طلب): تشكل هذا التيار مع مجيء محمد خاتمي عام 1998 إلى السلطة، وكان الهدف الرئيس لهذا التيار آنذاك:

إحداث إصلاح سياسي في إيران.
إقرار الحريات الاجتماعية وحمايتها.
توسيع علاقات إيران الدولية.
ومن أهم القوى المنضوية تحت هذا التيار:

مجمع روحانيون مبارز.
حزب اعتماد ملي.
حزب اتحاد ملت ايران.
ومن أهم الشخصيات السياسية لهذا التيار، بل أبرزها: محمد خاتمي الرئيس السابق لجمهورية إيران الإسلامية، والممنوع حالياً -إذا صحّ التعبير- من النشاط السياسي. وبالرغم من وجود بعض الشخصيات الإصلاحية، مثل محمد رضا عارف، المندوب الحالي للعاصمة طهران والذي يقود هذا التيار حالياً، كما أنه خسر رئاسة البرلمان لصالح علي لاريجاني في الأيام الماضية، إلا أنّنا لم نلحظ بعد أي تمثيل حقيقي لهذا التيار بين صناع القرار في طهران، بل تم الاستعاضة عنه بالتيار “المعتدل الإصلاحي” الذي يقوده الرئيس حسن روحاني، والمدعوم من رئيس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني. إلا أنه في الأشهر القليلة الماضية تلقى هذا التيار ضربات موجعة من قبل المرشد والتيار المتشدد والحرس الثوري المسيطر كلياً على مجريات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلاد.

ولفهم حيثياث الشارع السياسي الإيراني لابد لنا أيضاً أن نبين للقارئ الكريم أن هنالك علاقة تكاملية بين أقوى المؤسسات الإيرانية الثلاث، وهي: بيت المرشد، ومجلس صيانة الدستور، والحرس الثوري، والتي تتحكم بالشارع السياسي الإيراني حيثما تشاء.

وفعلاً تعتبر العلاقة بين المرشد -الولي الفقيه- ومجلس صيانة الدستور والحرس الثوري الإيراني، علاقة عضوية تكاملية، تكفل استمرارية النظام وديمومته في إيران والمنطقة بشكل عام. حيث يشكّل المرشد رأس الهرم في النظام الجمهوري الإسلامي والمقدس الذي يُسيّر الجماهير، والذي يعرف في الدستور الإيراني بـ “قائد الثورة الإسلامية”. أمّا مجلس صيانة الدستور فهو الجهاز النافذ الذي يغربل الخصوم السياسيين ويمكن وصفه بـ “الفلتر”. وأما الحرس الثوري ومؤسساته العملاقة العسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية والذي يعرف بـ “سباه باسداران انقلاب اسلامي”، فهو يحرس الثورة ومكتسباتها دون رادع، كما أنّه بات فاعلاً رئيساً في المشهد السياسي الإيراني يؤثر سلباً وايجاباً. حيث سبق وأن صرّح “علي سعيدي”، ممثل المرشد في الحرس الثوري، قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة (2013)، التي فاز فيها حسن روحاني، قائلا ً: “إنّ هندسة الانتخابات بشكل منطقي ومعقول من قبل الحرس الثوري، وظيفة جوهرية”.

إذاً، هذه الوظيفة الجوهرية المعتمدة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية سوف تستمر، حيث أنّها تشكل الضمان الوحيد لاستمرارية النظام في طهران، وكافة الأحداث التي نشاهدها في جغرافية إيران السياسية ومنها الانتخابات والمفاهيم السياسية الأخرى كالإصلاح والاعتدال، وغير ذلك من المفاهيم، ما هي إلا مسرحية وكذب وضحك على الذقون، عادةً يعتمد عليها النظام ويحشد لها قواه، ليكسب من خلالها الشرعية والمقبولية الدولية فقط، وأما الشعوب في إيران مغلوب على أمرها تماماً ولا حول لها ولا قوة إلا بالله.

وأخيراً وليس آخراً، إن عملية التغيير في جغرافية إيران السياسية لا يمكن أن يكتب لها النجاح إلا من خلال دعم قضايا الشعوب العادلة في إيران: الأذربيجانيين (الأتراك) والعرب والبلوش والأكراد، وغيرهم من الشعوب الأخرى التي تناضل من أجل الحرية والخلاص من الهيمنة الفارسية منذ تسعة عقود. وبالتأكيد إن دعم استرجاع الحقوق لهذه الشعوب هو مطلب استراتيجي وحيوي في ظل ما يحاك للأقطار العربية من تمزيق الممزق، وذلك قبل فوات الأوان.

بقلم: جمال عـبيـــــــــــــــــــدي

jamalnaeem@

المصدر: مركز المزماة للبحوث والدراسات الإستراتيجية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى