آراء ومقالات

ثروة الأحواز الحقيقية

سلسلة مذكرات الاسير السابق غازي مزهر، رقم ٧

مقتطفات من مذكراتي في السجن

“ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا” (صدق الله العظيم، آية ٩٦ سورة مريم)

عندما نتحدث عن ثروات الأحوازية يتبادر في اذهننا وقبل كل شيء ثرواتها النفطية ثم الغاز ثم المياه العذبة في الأنهر والأهوار وأراضيها الخصبة و … متناسين الثروة الأساسية والحقيقية الا وهي الثروة الإنسانية.  فالأحواز غنية باهلها من رجال ونساء وشيوخ وشباب وهذه تعد الثروة الحقيقية اصلا. وإذ يتسنى لي التعريف ببعض من كان لي الشرف بمعاشرتهم في داخل الأحواز من أصحاب علم ومعرفة ونبل والأخلاق سامية واصالة وايمان خالص، لكي نعرف الكنز الحقيقي الذي تملكه الاحواز من رجالها ونسائها. ولكن الظروف الامنية تحيل بيني وبين ذلك لان العدو المحتل متربص بنا يبحث عن مكامن طاقاتنا ومخابئها لضربها والتخلص منها.

إذا ما اردت الحديث عن بعض الاحوازيين الذين فرضت عليهم ظروف الاحتلال ترك الوطن والهجرة الى المنفى، سيتهمني البعض بالتملق والإغراق وستنهال عليهم التهم من جهات مشبوهة رغبة لأسيادهم المحتلين بغية التخريب او ارضاء نفوسهم المريضة واشباعا لأحقادهم وحسدهم على من هو أفضل منهم بموهبة قد اوهبه الله له.

وإذا تكلمت عن بعض من فارق الحياة من شعبنا من بين الشهداء، لقالوا انني حذوت حذوة الفرس حيث يبجل ويمجد الشعب الفارسي امواته ويضخم إنجازات امواته ويصل بهم الامر الى المستوى الأسطوري وفيما لا يقبله العقل.

في ظل هذه الظروف السائدة قررت ان اكتب عن شخصية احوازية لمالتقي بها على الاطلاق ولكن اعجبت بهذه الشخصية إلى أبعد الحدود الا وهو الشهيد البطل عبد الرضا حنطوش خلاف النواصري الملقب بعبد السلام والمكنى بابي مختار، الذي تم اعتقاله في عام ٢٠٠٠ وحكم عليه بالسجن ٣٠ عاما والنفي في سجن طبس. ثم لفقت له بعد ذلك تهما جديدة في حين كان يقبع في السجن واستبدل حكمه الى الإعدام وتم تنفيذ الحكم في عام ٢٠٠٧ في سجن كارون في مدينة الأحواز العاصمة.

كما تم اعتقال عدة من اصدقاءه و رفاقه ومنهم: الأسير علي سبهان نجم المنبوهي تم اعتقاله في عام ٢٠٠٠ ميلادي مع مجموعة من النشطاء الاحوازيين بعد استشهاد المناضل عباس جاموسي أثناء تنفيذ عملية ضد منشآت النفطية وحكم عليه ٢٥ سنة سجن ونفي الى سجن مدينة بافت في محافظة كرمان، طالب حميد عسل الساري ٢٠ سنة سجن في سجن زنجان، دعير جاسب محمد بيت حردان ٢٠ سنة سجن في زنجان، رحيم جويهيد عفراوي ٢٥ سنة سجن في مدينة بافت كرمان، صادق محيسني المطوري ١٥ سنة سجن في سجن مدينة درود محافظة لرستان، مجيد شنيشل الساري ١٥ سنة سجن في سجن مدينة درود محافظة لرستان، عبدالواحد رحيم الحلفي ١٥ سنة في سجن غناباد وخليل البريهي ١٥ سنة سجن في غناباد.

قبل دخولي السجن لم أكن اعرف عن الشهيد عبدالرضا النواصري الا قليلا ولكن تعرفت على هذه الشخصية الثمينة والمثالية بعد ما دخلت سجن كارون في عام ٢٠٠٩من خلال البصمات التي تركها هذا البطل العملاق بين رفاقه واصحابه السجناء ولربما يتساءل البعض لماذا التطرق والحديث عن الاموات لأننا لا نرى سبيلا لاختبارهم ولكني اذكرهم بهذه الآية لم يؤمن بالقرآن الكريم:

“ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات بل احياء ولكن لا تشعرون” (صدق الله العظيم، أية ١٥٤ سورة البقرة)

واقول لمن لا يؤمن بالقرآن ان يراجعوا المئات بل الآلاف من الذين تعايشوا مع الشهيد أبو مختار في السجن واستلهموا من انوار معرفته. لم يكن ابو مختار خريجا جامعيا ولا خريج من اية مؤسسة دينية ولم يكن من ذوي البطولات الرنانة او الجسم الحديدي المفتول بالعضلات بل كان مؤمناًحقيقياً ولم يكن من اتباع أهواء نفسه فلذلك اثابه الله كما وعدنا في هذه الآية:

“والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين” (صدق الله العظيم، آية ٦٩سورة العنكبوت)

على الرغم محاولات الإنسان وراء الكماليات ولكن في المقابل توجد رغبات أخرى في ذات كل انسان منافية للكمال ومنها على سبيل المثال حب الشهرة والمال والسلطة والرغبات الشهوانية و…، فكان الشهيد أبو مختار مسيطراً على نفسه ونجح بجهاده الأكبر رغم دخوله السجن بسبب جهاد الأصغر حيث كان قد جاهد من اجل وطنه وشعبه. فرزقه الله الشهادة في سبيله ونصرة شعبه المظلوم.

عندما دخلت غرفة ٣ من قسم ٦في سجن كارون كان قد مضى عامين على إعدام الشهيد  ابو مختار ولكن لايزال السجناء السياسيين الاحوازيين يرددوا اسمه بشكل متكرر على ألسنتهم  ولقد اندهشت من التأثير الذي تركه الشهيد على هؤلاء السجناء  وما زاد دهشتي هو التأثير الذي تركه على بقية السجناء من ذوي الاتهامات الأخرى كالاتهام بالقتل والسطو المسلح والسرقة واتجار بالمخدرات وغيرها. وكان جميع هؤلاء السجناء يرددوا اسم شهيدنا البطل و حدثني احد هؤلاء السجناء الذي تاب على يد الشهيد وأصبح هذا السجين انسانا متدينا وملتزما بالأخلاق النبيلة بعدما كان غارقا بالرذيلة والمحرمات حسب تعبيره. ايضا منهم من أصبح فيما بعد أستاذا في تدريس القرآن ويدرس السجناء. وحدثني آخرون وقالوا كنا نرى فيه من صفات أولياء الله. ذهبت الى القسم الذي كان يوجد فيه ابو مختار وزرت الغرفة والسرير اللتان قضى شهيدنا البطل أيامه الأخيرة ولازال نوره يسطع ويشع فيها وشرح لي بعض السجناء القدماء عن نبل اخلاقه وانضباطه ومعنوياته النفسية العالية حيث كان ملتزما بصلاة الليل وتلاوة القرآن. في قسم ٣ كان يصحوا السجناء على صوت اذانه لصلاة الفجر حتى من غير المصلين، فيما تصطف وراءه ثلاث او أربع صفوف دون إرادته. كان يتحدث السجناء عن أبو مختار والحسرة في قلوبهم وبريق الدموع على أطراف عيونهم وآهات الألم لم تنقطع على خسرانه والفجوة التي تركها بينهم فيما حدثني آخر فقال انه ليس من اهل السياسة بل يمقتهم ومضى قائلا ولكن ما أجمل بلدا يتزعمه شخصا مثل أبو مختار. كما ذكروا بسبب كثرة المراجعات وتراكم برامج ابو مختاركان يتطلب عليهم اخذ المواعيد المسبقة كي يتحدثوا معه. لم أرى مثل هذه المشاعر والأحاسيس إلا عندما التقيت بسجناء من فرقة صوفية تسمى ” دراويش غنابادی” في سجن شيراز وهم يتحدثون عن قطبهم ومرشدهم الكبير.

وفي النهاية ارجوا من الذين عايشوا او تتلمذوا على يد الشهيد أبو مختار ان يبادروا بكتابة مذكراتهم وما رأوا من مكارم شهيدنا البطل ابو مختار حتى يكون نبراساً وملهماً للآخرين.

فعلمنا الشهيد أبو مختار ان طريق الاصلاح يمر عن طريق تزكية وترويض واصلاح النفس اولاً.

نعم الثروة الحقيقية في الأحواز هي الثروة الإنسانية وانا افتخر بأنني أحوازي عندما أرى من أمثال الشهيد أبو مختار عبد الرضا حنطوش نواصري.

رحمك الله يا أبا مختار وادخلك الله فسيح جنانه مع الصديقين والشهداء والصالحين.

 الاسير المحرر غازي مزهر

 

المصدر : مركز دراسات دورانتاش

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *