آراء ومقالات

الأسرى الأحوازيين ونشاط الخارج

سلسلة مذكرات الاسير السابق غازي مزهر، رقم ٨

مقتطفات من مذكراتي في السجن

بعد دخولي إلى سجن ” عادل آباد ” شيراز في تاريخ ١٧ سبتمبر ٢٠١٢ نقلوني إلى الحجر الصحي (قرنطينة)، فكانت حالتي متعبة جدا وكنت اشعر بالألم في جميع أعضاء بدني جراء التعذيب وشعري هادل على عيوني ولحيتي مطلقة. مر سبعون يوماً ولم أرى نفسي في المرآة. كان همي الأول الحصول على مقراض لأن اقتلع رجال المخابرات بعض أظافري تحت التعذيب ولكنها مازالت متصلة باللحم في الجزء الأخير وكانت تؤلمني شديدا عندما انتعل حذائي. كما بدأ ينبت من تحتها اضافر جديدة. أيضا كنت اشعر بألم شديد في أذني جراء التعذيب حيث تمزقت طبلة أذني عام ٢٠٠٩. كما التهبت أذني في سجن كارون عدة مرات ووصل بي الامر الى ان أفقد السمع، بينما تعذيب المجدد فاقم الوضع سوءاً.

في تلك الأيام اتصلت على اهلي وأخبرتهم بنقلي من معتقل الوزارة إلى سجن شيراز. بعد يومين نقلوني إلى قسم ١١ وكان هذا القسم هو اسوء قسم في سجن عادل آباد شيراز كما كان هذا السجن ضمن قائمة أسوء سجون في جغرافية إيران. يتكون القسم من طابقين و٣٦ زنزانة ٣×٥ أمتار في طرفي مرر ضيق بعرض مترا ونصف وكانوا يزجوا في كل زنزانة ما بين ١٨ الى ٢٥ شخص وكنا مجبرين ان ننام بشكل ” كتابي” على الجانبين فقط. كما كان في القسم حوالي ٨ مراحيض و٨ حمامات اي لكل مئة سجين حمام ومرحاض واحد. كانت مهمة الأساسية للنزيل في كل اليوم الوقوف في الطابور الطويل للحصول على نوبة لرفع الحاجة، كما كانت تفتح الحمامات في الصباح بعد الجرد الساعة ٧ صباحاً وتغلق مساءاً الساعة ٧ قبل الجرد. تعتبر المشكلة الأساسية في هذا القسم المغلق ان السجناء لم يروا الشمس الا دفعة واحدة في كل شهرين أو ثلاث أشهر مما يسبب فقر الفيتامين لدى لسجناء. بعد فترة وجيزة في ذلك السجن بدأت اضافر يدي تتموج كما كان يحدث في زنازين معتقل الاستخبارات السري.

كان قد استعمل السجناء كلمة “ريپو” لوصف قسم ١١ وكما فهمتها تعادل عدم الالتزام بالنظم والقانون في كل شيء (أي تعادل قانون الغابة). يضم القسم ما يقارب ٨٠٠ – ٧٥٠ سجيناً من مختلف الجرائم. ويختلف هؤلاء تماماً عما رأيته لدى السجناء في سجن كارون وشيبان. حيث سمعت بعضهم يتكلمون عن رفاق زوجاتهم دون خجل ويتكلموا حول علاقاتهم الجنسية مع بعض محارمهم.

يتوزع السجناء إلى عدة عصابات وينحدرون من عدة قوميات منها ” لر” في شمال غربي محفظة فارس و “الترك القشقائي” في جنوب غربي محافظة فارس وعرب خمسة في جنوب شرق المحافظة والفرس الذين يسمون أنفسهم طاجيك في المناطق الاخرى ويلقب سجناء مدينة شيراز ب ” بچه شهر”.

يبدأ الصراع الدامي بين العصابات الموجودة مع دخول نزلاء الجدد على الصبيان وكأنه سوق النحاس والعبيد. كما كان في كل غرفة شاب او شابين يلعبون دور الأنثى ويتغنجون لرجال العصابات كما كانت تتغنج المحظيات في القصور في العصور السالفة. يبدأ النوم من الساعة ٧ صباحاً بعد الجرد ويمتد عادة قبل الجرد المسائي الساعة ١٩. في حين يبدأ شرب المخدرات من بعد الجرد المسائي الى الفجر. عادة لم يدخل السجانون الى القسم إلا في ساعات الإحصاء الصباحي او المسائي حيث يجلس النزلاء في الغرف خلال عملية العد.  لم تمضي أيام حتى سمعت همهمة في الغرفة المجاورة حيث علمت ان الشاب الذي دخل قبل أيام إلى القسم قد توفى وبعد ما سألت أحد السجناء الذين يعملون في مستوصف السجن قال قد تجاوز عليه ١٨ شخصاً في الغرفة و لكن الطبيب قال انه قد فارق الحياة في اعتداء الشخص الأول بسبب انهم أغلقوا فمه حتى لا يصرخ.

بعد مكوث اسبوعاً شاقاً ورهيباً في غرفة ٤، تعرفت على سجين اسمه ” كسرى نوري” من عرب خمسة وكان هو ورفاقه معتقلون ضمن فرقة صوفية باسم ” دراويش گنابادی” بعد احداث مدینة كوار، كما كان خاله وهو دكتور في القانون مسجوناً في سجن افين في طهران بتهمة مشابهة. كسرى نوري كان يدير موقع الدراويش وكان مهندساً في الحاسوب. اقترح عليّ كسرى الإنتقال إلى غرفة ٧ حيث كان يجتمع فيها الكثير من المثقفين السياسيين والعقائديين. البعض من هؤلاء النزلاء من الاحوازيين من مدينة أبو شهر الاحوازية وجزيرة شيف. وتبين لي انهم كانوا متهمون بالارتباط مع الإستخبارات الإماراتية. أتذكر منهم بن تميم وبن هاجر. كانت هذه الغرفة رغم انها مازالت بيد رجل عصابات مهمته تجارات المخدرات والتنسيق مع بعض السجانين لتجارة المخدرات الا انه يمنع تعاطي المخدرات في الغرفة، فكان هذا الانتقال بالنسبة لي يعادل الإفراج كما اعطاني لباس راحة بعد ما كنت أرتدي سروالا واحدا منذ حوالي اسبوعين.

كسرى نوري
كسرى نوري

رغم الظروف الصعبة التي كنت أمر بها إلا انني انتهزت الفرصة في معرفة اصول هذه الطريقة الصوفية. تركز هذه الطريقة الصوفية على معرفة الحقيقة من خلال الشهود بدل الحاسة والعقل. كما توجد ما يقارب ٣٠ طريقة صوفية في الإسلام. توجد ٢٦ عند اهل السنة والجماعة و٤ منها عند الشيعية.

قال لي نوري عن تجربته الشخصية انه ابتدأ مع المرشد المباشر بتزكية النفس في السيطرة على العيون واللسان والأذن والبطن وما تحتها وقاوم ان لا يرتكب الحرام والذنوب وان لا يأكل السحت مع التدرج في الأذكار والصيام حتى تكشفت له بعض الأسرار. كما صحح ما كان في مخيلتي عن الصوفية من لبس وزهد الدنيا. قال ان طريقتهم لا تختلف عن المجتمع العادي حيث يوكدون على العيش مع الناس واللبس مثل الناس والزواج والدراسة والعمل في كل الاختصاصات. واما مشكلة النظام معهم يأتي من سبب مواحد، انهم لا يعيرون اهتماماً ويرفضون المرجعية وولاية الفقيه ويتبعون الأفكار وطريق الشيعة قبل قيام الدولة الصفوية ١٥٠١م من حيث نظرتهم عن علماء الدين. ومن هذا الجانب يشعر النظام انهم خطر على مشروعيته مع وجود مئات الآلاف من أتباع هذا المسلك.

سألت نوري، كيف عرفت الحقيقية عند هذه الطريقة وانت مهندس كمبيوتر تهتم بالإستدلال والمنطق العلمي، قال كل ما في الأمر بعد المقدمات التقيت في القطب (نور محمد تابنده) حيث تجلى نور الحق في قلبي دون كلام واستدلال. والحكم على جوابه يرجع للقارئ ان كان يوافقه أو يرفض استدلاله.

في تلك الأوضاع المزرية وعندما حصلت على فرصة للاتصال شرحت لبعض الأصدقاء الأحوازيين خارج السجن الظروف القاسية التي مرت علي في معتقل الاستخبارات ونوعية التعذيب ولزوم التحرك عبر منظمات الدولية لحقوق الإنسان لإيصال أصوات السجناء والمعتقلين كما طلبت من الأهل متابعة ملفي عبر المحاكم وخاصة في طهران.

لم تمضي فترة طويلة حتى استدعاني مسؤولي سجن شيراز وقالوا وصلتهم رسائل من منظمات دولية عبر طهران لكي يهتموا بعلاجي وتحسين ظروفي. عندئذ نقلوني الى قسم أفضل كما آتوني بأخصائي أذن وطلب الطبيب من مدير السجن ان ينقلني فوراً إلى المستشفى للعلاج تحت اشراف مختص في علاج الأذن وأخبرني حينها بفقدان جزءا من قدرة السمع بسبب التعذيب وتأخر العلاج.

نعم هكذا تغيرت معاملة السجانين معي وحصلت على جرعة كبيرة من الدعم المعنوي بعد ما أحسست أن رفاقي وصلوا صوتي إلى أهم منظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان بينما انا وراء القضبان في زنازين الاحتلال المظلمة وكان ضغطها مؤثراً على تحسين ظروفي.

١ 768x749

عادة مظاهرات الأحوازيين بعشرات الأشخاص في الخارج لم تكن محل اهتمام حتى من قبل وسائل الإعلام المحلية في الدول الغربية ويتم تداولها بعض النشطاء في تواصل الاجتماعي فحسب وكذلك ترصدها استخبارات الاحتلال الفارسي حيث يقومون بعدها بمضايقة السجناء والمعتقلين الذين ترفع صورهم وأسمائهم. ويمكن ان نعتبر هذا الامر السبب الرئيسي وراء ان الكثير من العوائل الاحوازية ترفض ان تنشر اخبار اعتقال أبنائهم.

٢ 768x523

على الناشط الاحوازي الحصول على بديلا لإيصال صوت السجناء والبديل هو محاولة اختراق التعتيم اللوبي الفارسي في الخارج والتواصل مع المنظمات الدولية خاصة العفو الدولية، مقرر الخاص لحقوق الانسان في إيران ولجنة كتابة تقرير حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الأمريكية وكذلك التواصل مع وكالة الأنباء الدولية مثل رويتر، اسشيوتد برس و… او تنسيق لمظاهرة سنوية ضخمة امام الجهات المعنية، لتكون أكثر نفعاً بشكل عام على القضية الاحوازية وبشكل خاص على السجناء والمعتقلين.

 الاسير المحرر غازي مزهر

 

المصدر : مركز دراسات دورانتاش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى