آراء ومقالات

المقاومة الشعبية الأحوازية – حسرة القادة

سلسلة مذكرات الاسير السابق غازي مزهر، رقم ١٢

مقتطفات من مذكراتي في السجن 

ترددت كثيراً في كتابة هذه المذكرة ولكن بما أن الأجهزة الأمنية للاحتلال الفارسي تعرف كل التفاصيل يحق لشعبنا وخاصة النشطاء أن يعرفوا بما حدث ولكن ستبقى الرواية ناقصة لأسباب لا أستطيع ذكرها وأملي أن يكملها في المستقبل غيري ممن له المام في الموضوع بشكل اعمق.

في عام ٢٠١١ سمعنا باعتقال العشرات من النشطاء في مدينة الخلفيّة التي تقع على بعد مئة كيلومتر شرقي مدينة الأحواز العاصمة، لم أجد لهم مثيلاً فی الأخلاق والأدب والثقافة. كانوا يأتوننا واحدا تلو الآخر بعد قضاء فترة أشهر من التعذيب في المعتقلات السرية للاستخبارات الى سجن كارون القسم ٦ ومن ثم سجن شيبان القسم ٥ والتقينا بالمجموعة الأخيرة في القسم ٣ سجن كارون المخصص لمتهمي جرائم القتل. أتذكر من بينهم المهندس “اسماعيل جاسم العبيّات (أبو مرهف)، لجأ فيما بعد إلى كندا، خریج هندسة الزراعية – تربية الأسماك وحالياً يعمل بالتجارة، “علي حسين البدري (ابو مها)، لجأ إلى كندا، يحمل شهادة ماجستير محاسبة ويدرس حاليا ماجستير في التجارة، “حبيب حمزة الراشدي (ابو دارم)، لجأ إلى الولايات المتحدة يحمل شهادة هندسة كيمياء وكان عضوا في شورى البلدية في مدينة الخلفية والشاعر شهيد العموري (أبو ماجد)، لجأ إلى تركيا وعدد آخر من المعتقلين، إضافة إلى ٦معتقلين مكثوا معنا فترة طويلة إلى أن صدر ونفذ الحكم عليهم في عام ٢٠١٤م وهم القائد الشهيد المعلم والشاعر “هاشم خلف الشعباني – ابوهيام” بكالوريوس ادب العربي وماجستير العلوم السياسية. كان القائد الشهيد هاشم الشعباني معروف في الساحة الأدبية وكان شاعراً فصيحاً من الطراز الأول في الأحواز وكان ينشر أشعاره تحت عنوان “ابوالعلاء الأفقي” كما كان رئيس تحرير “مجلة البصيرة” في جامعة تشمران والقائد الشهيد المعلم “هادی حمزة الراشدي” ماجستير كيمياء وكان له دور بارز في توعية الشباب في تلك المدينة والمدن الاخرى المجاورة. وكذلك الأخوين “جابر محمد آلبوشوكة – ابوايمان” و”مختار محمد آلبوشوكه” والمهندس “محمد علي العموري – ابو خالد” خريج هندسة الزراعية – تربية الأسماك من جامعة اصفهان التكنولوجية ورئيس الرابطة الطلابية في الجامعة (انجمن اسلامي) ومرشح لجائزة ساخاروف في الآداب، وايضاً الأستاذ المعلم “عبدالرحمن العساكرة – ابو احمد” كان يحمل شهادة بكالوريوس كيميا وطالب ماجستير علم الإجتماع.

حسرة القادة المقاومة الشعبية الأحوازية
حسرة القادة المقاومة الشعبية الأحوازية

قبل اعتقالي بسنوات عدة تعرفت على مصطفى حطة وكان الاخير من نشطاء مدينة الخلفية ومعلماً في مدارس الفلاحية وحي الثورة في مدينة الأحواز العاصمة وعملنا انذاك سوياً في “مركز دراسات عيلام” و”وكالة انباء ميسان”. ذهبت ذات مرة بمعيته وأخيه عبد الرحمن حطة – أحد نشطاء مدينة الخلفية الذي ساعدته ان يصل الى بلد آمن بسبب ظروف طارئة ولجأ الاخير إلى بريطانيا ويدرس حاليا دكتوراه قانون دولي – إلى مدينة الخلفية، وتعرفت على مجموعة من شباب الخلفية منهم الشهيدين هاشم وهادي وتكلمنا حول الأمور العامة في الساحة، خاصة حول موضوع الإنتفاضة النيسانية وما بعدها دون أن نتطرق إلى التفاصيل. كنت ابحث وقتئذ عن كوادر مناسبة لمشروع خاص في بعض المدن الأحوازية بينما انتبهت ان هؤلاء هم ايضا يمتلكون مشروعاً وكانوا يحاولون تقييمي والتعرف عليّ. أتذكر كان اللقاء قصيرا ولم تتسن لنا الفرصة في بناء الثقة وكشف ما يدور في خواطرنا حيث تم القاء القبض علي بعد اشهر في عام ٢٠٠٩م.

اسست هذه النخبة من الشباب مؤسسة “الحوار” في عهد الإصلاحات (٢٠٠٥- ١٩٩٧) وكان لهم دوراً ريادياً في نشر الوعي في قضاء الخلفية والمدن المحاذية لها. وتم انشاء هذه المؤسسة على يد رحمن عساكرة، وهاشم شعباني، وهادي راشدي، ومحمد على عموري، وعلى البدري، وعبد الرحمن حطة ومصطفى حطة وسعيد البوغبيش وحبيب راشدي وآخرين في الداخل لا يسمح المجال ان تذكر اسماءهم. نجحوا هؤلاء النشطاء في كسب ثقة الناس والسيطرة على الشورى البلدية في تلك المدينة وعينوا السيد “سعيد حميدان” رئيساً للبدلية آنذاك. فيما بعد ومع انغلاق الساحة على النشطاء الأحوازيين في أواخر فترة الإصلاحات، خطط الشهيدين القائدين هاشم الشعباني وهادي الراشدي على بناء مشروع متكامل آخر يتناسب مع مرحلة انغلاق الساحة في تلك الفترة وسمي “المقاومة الشعبية” حيث تعرفت على هذا المشروع من خلال موقع “عربستان” آنذاك.

تزامنت عملية الاعتقال مع بداية تسليم الدولة العراقية عدد من ناشطي مدينة الخلفية الذين قضوا خمس سنوات في سجون العراق بتهمة الدخول غير الشرعي على رغم انهم كانوا تحت حماية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وأيضا المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة لأمم المتحدة. في ذلك الحين تم إطلاق سراح المهندس محمد علي العموري بوثيقة مالية من إدارة الامن والمخابرات في مدينة المحمرة بعد تسليمه من قبل القوات الأمنية العراقية، بينما تم نقل “الشاعر شهيد العموري – ابو ماجد” مباشرة إلى معتقل الاستخبارات في الأحواز وكان أيضا معهم ناشط اخر من مدينة الخلفية “فارس السيلاوي” توفي في سجن البصرة في العراق ولم تكشف بعد بالتحديد ملابسات وفاته. عندئذ اجتمع الرفاق مع المهندس محمد علي العموري بعد إخلاء سبيله وقد أصر جميعهم على أن يساعدوه في الخروج من الأحواز لأن كانت الشكوك تدور حول ان إخلاء سبيله خطة من قبل الاستخبارات كي يكشفوا جميع النشطاء أو بغية الحصول على اعتراف من الشاعر شهيد العموري وهذا ما كان يثير مخاوف الجميع.

كان القانون في اغلب التنظيمات السرية يطلب من المعتقل المقامة ٤٨ ساعة لكي يتمكن رفاقه من الفرار او الإختباء. ولكن قد حصل إصرار من الشباب لكي يخرج محمد على عموري من الأحواز الى بلد اخر، غير ان حجة المهندس محمد علي العموري انه لم يرتكب اي عمل يخالف القانون عدى الخروج غير الشرعي وتحمل بما يكفي في سجون العراق. كما سأل عبد الرحمن العساكرة من الشهيدين القائدين عن علاقتهما بما حدث في السنوات الأخيرة في مدينة الخلفية وإذا ما كانت لهما علاقة بالأحداث اذن عليهما الإختباء او الفرار فوراً دون تردد ولكنهما قالا له ان ما حدث لا يرتبط بالمقاومة الشعبية بل كانت جميعها قبل تأسيس هذا المجمع.

في عام ٢٠١٤ م وبعد ثلاث سنوات من اعتقال هؤلاء النشطاء، وصلت اخبارا من المحامين – ومنهم الدكتور جعفر الهاشمي (أبو طه) حيث لجأ فيما بعد الى بريطانيا- حول نشطاء مدينة الخلفية المعتقلين ويبدو حملت المحكمة هؤلاء جميع الاحداث في الخلفية التي حدثت قبل وبعد تأسيس “المقاومة الشعبية” وعلى رغم ان هذه المجموعة لم ترق قطرة دم لكن صدرت عليهم احكام قاسية أي ٢٠ سنة سجن على الشهيد هاشم الشعباني باعتباره الامين العام و٢٠ سنة على الشهيد هادي الراشدي باعتباره قائد الجناح العسكري وأحكام اقل لباقي المجموعة. ولكن حصلت المفاجأة وتغيرت الاحكام بعد فترة بعد ما تدخلت جهة أمنية في حكم القضاء حيث صدر حكم الإعدام و٢٠ سنة سجن على الشهيدين القائدين هاشم الشعباني وإعدام و١٥ سنة سجن على الأسير جابر آلبوشوكة وإعدام و١٠ سنوات سجن على الأسير محمد علي عموري وإعدام و٥ سنوات سجن على الأسير مختار و٢٠ سنة بالسجن مع النفي إلى سجن مدينة قوچان في شمال محافظة خراسان على الناشط البارز رحمن عساكرة وتم اصدار احكام بالسجن اقل من ذلك بحق الآخرين.

ما يثير الإستغراب، كان إصرار عجيب من قبل الإحتلال في القضاء على هذه المجموعة حيث صنفت المحكمة رحلة سياحية وصيد لهؤلاء بانها عملية تدريب عسكري وتبدلت مزحة “اغتيال رئيس الجمهورية الاسبق احمدي نجاد” من قبل أحد الشباب إلى اتهام رئيسي في الملف. أتذكر حين سألت “سيد ضياء نبوي” وكان من سجناء “جنبش سبز – النهضة الخضراء” وكان مبعد من سجن افين في طهران عن سر هذه الأحكام الثقيلة مقابل اعمال بسيطة وتهم ملفقة، اجابني بالفارسية: “می خواهند پا نگیرید” اي انهم لا يريدون المجموعات الصغيرة في الأحواز تكبر. لذلك يضربونها بقبضة حديدية حتى لا تنمو.

كانت المقاومة الشعبية التنظيم الوحيد ضمن “حزم” التي كان جميع أعضائها ونشاطاتها في داخل الأحواز. كما نعلم ان تجربة “منظمة تحرير الأحواز – حزم” كانت التجربة الائتلافية الوحيدة في تاريخ القضية الأحوازية منذ الإحتلال وكانت أجهزة استخبارات الإحتلال متخوفة منها. لهذا كان اعتقال اعضاء تنظيم “المقاومة الشعبية” خسارة كبيرة جداً للقضية.

كنت أرى الشهيدين هاشم وهادي يتحملان ضغوطا نفسية وحسرة وعذاب الوجدان بسبب اعتقال المجموعة وخسارة عمل وطني كبير بحجم “المقاومة الشعبية”. تحمل الشهيدين هاشم وهادي كل المسؤولية أمام القضاء لإنقاذ رفاقهم وأصدقاء طفولتهم. أتذكر ان الظروف كانت جداً صعبة في تلك الفترة، حيث كان في القسم السياسي ١٧ ناشط احوازي ينتظر الإعدام ولكن هموم الشهيدين القائدين هاشم وهادي كان أكبر من الإعدام نفسه، انهما كانا يتحملا وزر القضية برمتها وكنت أرى الحسرة في عيون تلك القادة العظام. تمكن الشهيد القائد هاشم شعباني من تنفيس عن احاسيسه وهمومه عبر الشعر حيث تمكنّا من نشر دفتر من أشعاره على امل نشر الدفاتر الأخرى.

في لقائي الأول مع الشهيدين القائدين هاشم وهادي في قسم ٣ في سجن كارون سألتهما هل  قرأتم الكراسة الأمنية التي اصررت على قرائتها بدقة ،واذا عملت ذلك لكانت الخسائر اقل، قالا انهما بسبب كثرة المشاغل والمشاريع لم يقروأ الا صفحات منها (*).

في الأخير اتذكر بعض اللقطات التي لم تحذف من بالي:

في قسم ١ “امنيتي – سياسي” في سجن كارون كان يقف سيد مختار البوشوكة – وكان شاباً انيقاً في مقتبل العمر – في باب القسم منتظراً ورقة الإفراج ويقول لا يتحمل يبقى في السجن سنة كاملة. كانت لحظات تؤلمني جدا لأنه ما كان يعرف من يُتهم في المحاربة لا يخرج منها الا بفترة حبس طويلة في أحسن الأحوال إذا لم يتم إعدامه، واخيراً صدر عليه حكم الإعدام و ٥ سنوات سجن إضافية. آخر ما أتذكره عن الشهداء هو حين استدعاني رئيس السجن مع الشهيد “هادي الراشدي” كي يبلغني بنقلي مجدداً إلى سجن عادل آباد في شيراز، أمّا “هادي راشدي” فاستدعي لتكملة بعض الإجراءات الإدارية من أجل العلاج. حينها جاءت سيّارة الإستخبارات الخاصّة وطلب العناصر من “هادي راشدي” الذهاب معهم، كما أنهم نادوا بإسم الشهيد “هاشم الشعباني” ليأتي من داخل القسم ٨ وكان مقابل مكتب مدير السجن.

نظر كل منا أنا وهادي إلى رئيس السجن ” السيد منيشداوي ” وكان عربي احوازي من ابناء جلدتنا ليتوسّط دون أخذهما، والأكيد أنّ معاني نظراتنا كانت واضحة ولا تحتاج إلى الكلام، ولكن كان رئيس السجن مرتبكاً، ولم يجد ردا سوى أن يطأطئ رأسه نحو الأرض ليفهمنا بأن القرار ليس بيده. وقبلت الشهيد “هادي الراشدي” في عنقه الذي سيعانق حبل المشنقة ونظرت في عينيه ولم الاحظ عليه أبداً الخوف أو الندم، ولكني لاحظت عليه اليأس من الحياة وهموم شعب والحسرة من المشروع الوطني الذي لم يكتمل.

طلبت منه الصمود والصبر والثبات في آخر لحظات حياته، اما الشهيد “هاشم الشعباني” فمنعني رجل الإستخبارات من الإقتراب منه، وودّعنا بعضنا البعض من مسافة أمتار، وذلك عبر الإيماء بالأيادي وترديد بعض الكلمات. وكانت هذه المجموعة الثالثة التي شهدت على إختفائها عن الحياة قسراً، حتى تم الإعلان عن إعدامهما دون تسليم جثتيهما إلى أسرهما او تحديد قبورهما ولم يصدر الاحتلال حتّى شهادة وفاة لهما أو تبرير مادّي يثبت انه تم إعدامهما.

(*) من الأمور الأساسية التي يجب على الناشط الأحوازي الاهتمام بها:

أولا، شرط الأول في بناء أي عمل وطني فردي وجماعي ان يتكون هذا العمل على أساس قاعدة “اخذ الأمن بعين الاعتبار” والا سيكون العمل فاشلا.

ثانيا، العمل في مجال واحد ومع جهة واحدة والتأكيد على الالتزام في هذا المبدأ والأصل من قبل جميع الاعضاء. انا شاهدت بنفسي كيف احتسبت وتعممت اعمال فرد واحد على جميع اعضاء المجموعة بينما لم يعرف الأعضاء الاخرين عن هذه الاعمال وسببت خسائر فادحة للجميع. لذلك على أعضاء المجموعة الابتعاد عن اي شخص يرتبط بجهات وتنظيمات اخرى دون تنسيق.

ثالثا، فرض احتمال الإعتقال في كل الظروف وتهيئة النفس والإجابات اللازمة على الأسئلة المتوقعة حول النشاطات مع الحرص على الاختصار في الإجابة. لأن الأسئلة التالية سوف تستخرج من اجوبتك السابقة.

رابعا، من السؤلات الأساسية في معتقل الإستخبارات عادة ما تكون الأسئلة حول طبيعة العلاقة مع الرفاق والأصدقاء. اذن من الضروري التنسيق بين الرفاق والأصدقاء عن طبيعة العلاقة بينهما حتى تكون الإجابة واحدة ومتطابقة. تناقض الإجابات بين الرفاق والأصدقاء سببت لنا كوارثا.

خامسا: الإستعداد للإجابة عن كل رقم، اسم، حساب وايميل يجدونه عندك. اذن اما تقوم بحذفها قبل تعرضك لخطر الاعتقال وأما تكون جاهزا لكي تجيب وتتفادى الخسائر.

الاسير المحرر غازي مزهر

 

المصدر : مركز دراسات دورانتاش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى