آراء ومقالات

إفشال أطروحة الحكم الذاتي: قالوا و ذكروا و نسوا و سمعنا روايات و .. ( القسم الثاني / الأخير)

كيف ينشأ خطاب وطني تجديدي داخل ثقافة و أبناءها لم يكتبوا تاريخها وهم إلى اليوم بحاجة مرة إلى من يقوم بمهمة قراءة النصوص بالنيابة عنهم و مرة من يقوم بمهمة الإفهام و التوضيح لما تحمله النصوص نفسها ؟
تواصلاً مع ما قلنا في القسم الأول ،نقول – هنا بداية كما هو التاريخ يؤكد لنا أن الجماهير تصنع الأحداث و إن مهمة أهل المعرفة هي بناء المرجعيات و صياغة الأفكار وكتابة النصوص . وإن الشعب الذي يطلب النهوض يحتاج الجماهير ويحتاج أهل المعرفة. وإن غياب الجماهير معناه نهضة فكرية بلا جماهير، وأن غياب أهل المعرفة عن النهضة الجماهيرية معناه نهضة بلا فكر، ونحن أقرب إلى هذه الظاهرة الأخيرة، ونكتفي بهذا الكلام، كي نخوض بموضوع يحمل دلالة على كلامنا الأخير. فنقول: إذا كانت تجربة الحكم الذاتي الثانية 1979 م – تعاني فقر على مستوى التعريف و الفهم ، فإن أطروحة الحكم الذاتي الأولى عام 1945م – تعيش الإهمال و النسيان وكأنها خارج تاريخنا ، فهي تعاني من أمرين – أولهما : الإهمال من جانبنا و عدم ربطها بتاريخنا المعاصر، وثانيهما: تعاني من عدم التعريف بها و فهمها إن كان معرفة أسباب فشلها أو نتائج ذلك الفشل .و إن الإهمال من جانبنا أدى إلى جهلنا و عدم فهم تلك الحقبة التاريخية ، وإن معرفتنا بها لا تتجاوز مجرد إما روايات و إما سمعنا و نقلوا و إما قالوا و أن هذه المعرفة الشفوية هي ثقافة اللافكر أي لا يقوم الفكر بدوره في التدوين و بناء الرؤية ، وهي المهمة التي قام بها غيرنا ،وأن أخر كتاب قرائناه (1) عن حركة شيوخ العشائر الأحوازية وأبناء خزعل – لم يكن مؤلفه من الأحوازيين ، بل إن المؤلف عراقي و كان حاضراً عام 1946م ،فقام بمهمة توثيق تلك الأحداث.
إن قراءة كل مرحلة من تاريخنا الأحوازي المعاصر – التوثيق و البحث و التعريف و بناء الرؤية و إحضار الأسباب الرئيسية بدل الهوامش و الذات و طرح نتائجها هو مجرد عمل إجرائي كي لا نقع في الأخطاء و الخلط و تعطى كل مرحلة حقها من الدرس وهي خطوة أوّلية الغرض هو تجاوز الإهمال و تجديد وعينا كي لا ننظر إلي ثقافتنا على أن أحداثها التاريخية عبارة عن جزر معزولة لا يرتبط اللاحق بالسابق كأحداث ( 1945م، و 1979م، و 2005م ) وكذلك على صعيد الجغرافية كأنها معزولة بأبناءها وعلاقاتها ( أحداث الحرب العالمية الثانية – عبادان، بداية الثورة – المحمرة ، الإنتفاضة – الأحواز). وإن هذه النظرة العامة إلى تاريخنا تقوم على قوامين – أولهما أن تاريخنا و جغرافيتنا و قضيتنا واحدة ، ثانيهما: أن نبرز العناصر الثلاثة المحورية و هي عناصر تقف أمامنا وجها لوجه عند ما نقرأ الأحداث نراها حاضرة عند كل تجربة خاضها أبناء هذا الشعب العربي الأحوازي ، و العناصر هي المهمة و أما الأمور الهامشية و الفرعية فهي تبقى تدور داخلها تابعة لها ،فلا يصبح لها معنى ولا تشكل رؤية دون إرجاعها إلى الأصول.
وإذا أتينا إلى هذه العناصر الثلاثة التي تخص أحداث الأربعاء السوداء نجدها نفسها حاضرة عام ( 1945)- وعام (2005م)- أولا: طبيعة الثورة التي حصلت بإيران نفسها و ظهور زعامة رجل الدين الخميني الذي قاد ثورة سياسية و عمل انقلاباً داخل المرجعية الفقية الشيعية إضافة إلى استخدام السلاح بدل الحوار السياسي و التفاوض . ثانياً : العوامل الذاتية الأحوازية من مدينة المحمرة التي احتضنت الحدث إلى الفاعلين الاجتماعيين و السياسيين من شيوخ العشائر و المولاة الجدد من رجال الدين للنظام من الأحوازيين و أصحاب المال المرتبطون بنظام الشاه إلى مجموعات أحوازية سياسية عادت إلى الوطن ، إضافة إلى وجود رجل الدين الخاقاني كمرجعية أحوازية تبنى أطروحة الحكم الذاتي و الدفاع عنها، و كذلك عدم الإهمال للقضايا المجتمعية و الاقتصادية المتداخلة و المتشابكة ،والوعي الوطني و العلاقات بالعراق كونه مجاوراً لنا ، حيث إن الذين ناضلوا خلال ثلاثة عقود (1950/1960/1970م ) من الأحوازيين كان العراق ملجئاً لهم . ثالثاً : الاتهام من طرف النظام لكل حركة عربية بأنها مرتبطة بالخارج و يدعمها أعداء إيران ، حتى نشوب الحرب بين إيران و العراق ،لتكون سبباً رئيسياً في إنهاء كل النشاطات السياسية في الأحواز ،و إن الحجتين الموقع الجغرافي للأحواز و الارتباط بالخارج، هي نفس الحجج تبقى قوام خطاب الدولة لتصفية كل النشاطات السياسية.
و إن هذه الأسباب الثلاثة الرئيسية هي قوام ما يستند إليه الباحث و الدارس كونها بمثابة بقاء الرؤية – المرجعية التي لم تتبدل بشكل أساسي ( بغض النظر عن تغير المسميات و ظروف كل مرحلة : فخطاب الدولة الإيرانية، و: محور الاتهام لكل حركة أحوازية بالخيانة و الارتباط بالخارج ،إضافة إلى – العامل الذاتي الأحوازي العشائري- الفوضى الذي ينوب عن الحركة الوطنية ) ،نقوم بالتركيز عليها كونها قد أصبحت حسب وجهة نظرنا هي وحدها من تحمل معنى محاور التأسيس والتي تقوم عليها أي رؤية واضحة غرضها كتابة تاريخنا المعاصر . و ننبه إلى أن القارئ ربما يلاحظ إننا لم نخوض بتفاصيل و أكتفينا فقط بالإشارة إلى العوامل الثلاثة وأن هذا التركيز عليها ليس يعنى إهمال التفاصيل و لكن هذا الأمر عائد إلى سببين أولهما: كان غرضنا ينصب في اتجاه تجاوز ظاهرة الكتابة الأحوازية التي تنوب عنها العاطفة بدل الفكر وتجاوز ثقافة عدم قراءة النص و فهمه وإن كان بين أيدينا ، والثاني: كوننا تطرقنا بتفاصيل لهذا الموضوع في كتابنا نحن و التجديد .
و تبقى الأسئلة مطروحة تبحث عن الأجوبة ما هي أسباب إفشال أطروحتي الحكم الذاتي عام 1945م و 1979م و لماذا تبدل الحوار السياسي إلى استعمال السلاح من جانب الدولة الإيرانية، وهل أن الثورات ينتصر بها خطاب أحادي و تنهزم الخطابات الأخرى وهل أن قضيتنا واحدة أم منقسمة ما بين جزر على صعيد الوعي و الجغرافية و منعزلة بعضها عن بعض تاريخياً و هي أقرب إلى الظاهرة القبلية من الوطنية ، و كيف نقرأ النصوص التي وثقها و كتبها غيرنا و كيف نقوم ببناء رؤية أحوازية تتحرر من سلطة خطاب الغير؟

1- أحمد عبد الرزاق الحلفي – ثورة الشيخ عبدالله الشيخ خزعل في عربستان- الطبعة الأولى 2010 دار العباد للطباعة و النشر بغداد شارع المتنبي.


اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى