آراء ومقالات

#أحوازنا – الرياض وطهران وقادم الأيام

بعد انتصار ما يسمى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أخذت طهران على عاتقها زوراً وبهتاناً مركزية العالم الشيعي، وبدأت بالفعل تعمل ليلا ًونهارا ًعلى تصدير ثورتها التي جاءت على أكتاف الشعوب التي تُشكِّل جغرافية إيران السياسية الحالية، في إطار مشروع فارسي طائفي محدد. ولنجاح هذا المشروع كُلِّف الجناح الخارجي الإرهابي للحرس الثوري والذي يعرف اليوم بـ “فيلق القدس”، أن يجنِّد بعضاً من المواطنين العرب الشيعة ومن كافة الأقطار العربية دون استثناء، ليكونوا فيما بعد أداة للدولة القومية الفارسية في بلدانهم العربية. وعليه، أخذت طهران من بوابة دمشق وبيروت العرب مقراً لممارساتها وأنشطتها الضارة بأمن الدول العربية، وفعلا ًتحقق بعض الشيء مما كانت تصبوا إليه إيران خلال العقود الأربعة الماضية من عمر هذه الدولة القومية الفارسية الثيوقراطية.

كما لابد من الإشارة إلى أن العرب أخفقوا فعلاً في فهم العقلية الفارسية ومخطّطات هذه الدولة الشيعية كما يجب، خاصة قبل أحداث “الربيع العربي”، إلا أن عاصفة الحزم استطاعت أن تعرّي هذه الدولة ولجمها كما يجب. وفي نفس الوقت، أدركت طهران ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية ضرورة التستر على واقعها، وعلى ما يجري في الشارع الإيراني طوال العقود الأربعة الماضية، خاصة فيما يخص تطلعات الشعوب غير الفارسية التي تشكل أكثر من 70 في المئة من المجتمع الإيراني، لاسيما واقع هذه الشعوب اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً.

وبما أنه لا توجد مؤسسات عربية مختصة بالشأن الإيراني ودراسته، فإن هذا الواقع، جعل فهم سياسات النظام في طهران وطبيعتها معقدة وصعبة في نفس الوقت للمتابع العربي الذي يعتمد في الكثير من الأحيان في فهمه لهذه الدولة وبنيتها على المصادر الرسمية الإيرانية التي تسيطر عليها المؤسسة الدينية وأجهزتها الأمنية المختلفة، والتي عادة ما تكون مؤدلجة وهادفة بامتياز.

ومن هذا المنطلق، فإن النظام الإيراني ومنذ قيامه في عام 1979 وإلى يومنا هذا، اعتمد مبدأ تصدير الثورة الخمينية وسياسة زرع البؤر الطائفية وإيجاد الخلايا التخريبية في كافة الأقطار العربية لما لهذا النظام من تطلعات توسعية فارسية مذهبية قديمة وجديدة في آن واحد.

وعليه، كانت دمشق أولى هذه البؤر الطائفية ووكراً دائماً للخلايا التخريبية لهذه الدولة الثيو-فارسية، والتي مازالت مستمرة ليومنا هذا. وفعلاً، حققت إيران من خلال احتلال عاصمة الأمويين إذا جاز التعبير، مكاسب كثيرة يتعذر شرحها في هذه الورقة. إلا أن للأهمية البالغة لدول بلاد الشام (سورية، لبنان، الأردن، فلسطين) وجوارها للقضية الفلسطينية العادلة، ولاسيما لنظرية أولويات النضال العربي، الدور الرئيس الذي من خلاله استطاعت طهران أن تُغيِّب كليا ًالقضايا العربية الأخرى كـ “الجزر الإماراتية الثلاثة والجانب الثاني من الخليج العربي حيث الأحواز مثلاً” عن المطالبات العربية الحقة.

وأيضاً، من أهم هذه المكاسب الإيرانية، إيجاد حزب الله اللبناني وذلك بعدما تم إقصاء الأطراف اللبنانية الوطنية كـ “حركة أمل” آنذاك وغيرها من القوى الوطنية الأخرى. فهذا الحزب الذي يعتبر عرّاب النظام الإيراني وأهم أذرعه في العالم العربي، صُنِّف من قبل الإدارة الأميركية على أنه تنظيم إرهابي قبل أن ينصنفه العرب على أنه فعلاً منظمة إرهابية، وكذلك دور هذا الحزب في التقارب الذي حصل بين حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين من جهة وإيران من جهة ثانية.

وأما المشهد العراقي الحالي فهو خير دليل على استمرارية المشروع الإيراني بعد توقيع الاتفاق النووي المثير للجدل، ويتجلى استعمار إيران الأيديولوجي يوما ًبعد يوم خاصة في جنوب العراق من خلال التنظيمات السياسية والعسكرية والثقافية والمذهبية بألوانها الخضراء والسوداء، حيث يتحكّم بهذه التنظيمات الطائفية قائد فيلق القدس قاسم سليماني من المنطقة الخضراء في بغداد، والتي سُلِّمت لطهران بمباركة أميركية. كما أن هذا الاستعمار الذي شرّعته الإدارة الأميركية شديد الخطورة على الدولة والمجتمع العراقي، وتكمن أهمية العراق في حسابات صناع القرار في إيران كونها تربط الأخيرة ببلاد الشام لتشكِّل الهلال الشيعي الذي حذّر منه العاهل الأردني ذات يوم.

وأما منطقة الخليج العربي وأهميتها البالغة للأمن القومي العربي، والتي من الممكن أن نجمل هذه الأهمية في التالي:

  • وجود الحرمين الشريفين ومركزية المملكة العربية السعودية في العالم الإسلامي.
  • المكانة الاقتصادية الكبيرة والهائلة للمملكة العربية السعودية وشقيقتها دولة الإمارات العربية المتحدة وتأثيرهما في العالمين العربي والإسلامي خصوصاً وفي العالم عموماً.
  • وجود البترول أهم الموارد الاقتصادية والذي يشكل 65 في المئة على الأقل من احتياطي العالم في الخليج العربي.

وبالنظر للصراع العربي الفارسي المستمر منذ زمن بعيد والذي بات اليوم محصوراً بين دول الخليج العربي وإيران، يتضح للمتابع للشأن العربي أنه ما دامت المملكة العربية السعودية تشكِّل الحاضنة الأساسية للعالم الإسلامي ومركزيته، وصمام الأمان لدول الخليج العربي التي تشكِّل أساس ركائز الأمن القومي العربي، لاسيما أنها -أي المملكة العربية السعودية- باتت تشكل السد المنيع للتدخلات والأطماع الإيرانية التوسعية وممارساتها العدوانية الحالية والمستقبلية، فبدون أدنى شك أن الصراع العربي-الفارسي سوف يستمر، هذا من جانب. ومن جانب آخر، ما دامت دول الخليج العربي تتقدّم على الدولة الإيرانية اقتصادياً واجتماعياً، فهذا بالضرورة يشكِّل تهديداً فعلياً للدولة الإيرانية التي يفضِّل مواطنوها -وهم بمئات الآلاف- العيش في دول الخليج العربي، وفي مقدمتها دولة الإمارات المتحدة العربية.

بقلم: جمال عبيدي

26 أبريل 2016

مركز المزماة للبحوث والدراسات

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *