آراء ومقالات

المشروع الإيراني وأدواته الاستراتيجية

تسعى إيران وفي أوقات متعددة إلى إظهار نفسها كدولة ذات تأثير في إقليم الشرق الأوسط، وذات هيمنة سياسية واقتصادية على البلدان والدول المجاورة، ويمكن لمس هذا التوجه في سياسة إيران الخارجية بكل وضوح من خلال تفاعلها مع جيرانها العرب. ولا يختصر هذا التوجه الإيراني فقط في سياساتها الخارجية وإنما تحاول جاهدة ترسيخ هذا المبدأ في المجتمع الإيراني عبر سياساتها الداخلية عندما تكتب تاريخها وتاريخ المنطقة العربية والإسلامية بالمقلوب، وتلقن مواطنيها قيم سياسية توحي بالعظمة والكبرياء والغرور، وتحط من شأن جيرانها العرب والمسلمين وتنال منهم. 

 

بقي هذا الطموح الإمبراطوري كامناً في جسم الدولة الإيرانية وقياداتها وموجوداً بالقوة أكثر مما يكون بالفعل وعلى أرض الواقع، لأنه كان يصطدم بصخرة الواقع السياسي في المنطقة، بيد أن بعد الثورة الخمينية في إيران، وتغيير نظام الحكم فيها واستلام الطبقة الثيوقراطية الحكم في طهران، وتغيير خطابها السياسي، وتبنيها خطاباً إسلامياً وداعماً للمستضعفين والمظلومين، قد تغيرت الكثير من قواعد اللعبة السياسية في المنطقة لصالحها. إذ بعد هذا التغيير فُتح الباب على مصراعيه أمام إيران في الدول العربية لتحقيق طموحها وإعادة إمبراطوريتها المقبورة. وسياسة إيران الخارجية وتوظيفها للخطاب الإسلامي والخطاب المعادي للغرب والداعم لفلسطين وقضايا المظلومين من أهم الأدوات الرئيسية التي تستخدمها لتنفيذ مشروعها في الدول العربية، حيث على أثر هذه السياسة تنفذت إيران في أعماق المجتمعات العربية وتغلغلت فيها وكسبت ما لم تستطع أن تكسبه الحكومات والأنظمة العربية طيلة السنوات الماضية.

استمرت هذه المرحلة إلى عام 2003 م عندما احتلت قوات التحالف العراق وأسقطت الحكم. حينذاك وصلت إيران إلى مرحلة التمكن والقوة واللعب على المكشوف. وعلى ضوء ما وصلت إليه من موضع قوة وتمكن وعلى ضوء تغير معطيات الساحة السياسية في المنطقة، غيرت إيران خطابها رويداً رويداً إلى خطاب طائفي وأخذت تتسلح بسلاح الطائفية المقيتة. تركت القضية الفلسطينية ووضعتها جانباً – ولو مؤقتاً – وفقدت هذه الأخيرة بريقها وتأثيرها مقارنة بالخطاب الطائفي، وأخذت إيران تتجه نحو الطائفية مباشرة وتحصنت في حصنها (الطائفية) ضد ضحايا مشروعها التوسعي (المسلمين والعرب). وإضافة لتبنيها الخطاب الطائفي، تبنت خطاب محاربة الإرهاب والتكفيريين أسوة بأمريكا والدول الغربية التي تبنته منذ أحداث 11 أيلول 2001 م. ودمجت إيران في خطابها ما بين محاربة الإرهاب والتكفيريين والطائفية ووظفت كل هذه العناصر لاستهداف الدول والمجتمعات العربية، ومن خلال هذه العناصر تمددت في المجتمعات العربية وتنفذت فيها على حساب السيادة الوطنية للدول العربية. هذه البراغماتية في سياستها الخارجية ومرونتها في التعاطي مع الواقع سمحت لإيران أن تكسب الكثير على أرض الواقع رغم المصاعب والمشاكل، إذ لم يعد وجودها ودورها في الدول العربية خافياً على أحد، وإنما يمكن مشاهدته بالعين المجردة وبات أمراً واقعاً لابد أن يؤخذ بعين الاعتبار في كل صغيرة وكبيرة في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

أولا يختصر تنفيذ المشروع الإيراني فقط على توظيف أداة السياسة الخارجية وإنما النفط والغاز في الأحواز يعتبران من أهم أدوات إيران لتنفيذ مشروعها السياسي في المنطقة. إذ توفر إيران من خلال النفط والغاز، المال وتوظفه للتغلب على الكثير من مشاكلها الداخلية والخارجية. ولولا مال السحت الذي توفره إيران عبر سرقتها للنفط والغاز الأحوازي لما تمكنت من زرع خلاياها في دول الخليج العربي ومدها بالمال اللازم لتصبح قوة تنفذ سياسيات إيران في هذه الدول وغيرها. ولولا هذا المال لما تمكنت من التدخل علانية في سوريا ولبنان واليمن والعراق والسيطرة على جزء من القرار السياسي إن لم نقل كله، والتحكم بسير الأحداث في هذه الدول، وهذه الأداة الموجودة بيد إيران تعتبر فرصة تاريخية قد لا تتوفر لإيران في السنوات القادمة، لذلك تلقي بكامل ثقلها لاستغلالها وتوظيف ما تجني منها من مال حتى تتمدد داخل الدول العربية وتتغلغل في مجتمعاتها وتزعزع استقرارها وأمنها وترتكب الجرائم والمجازر بحق شعوبها.

 أما الأداة الأخرى هي القوة العسكرية المتنامية التي تستخدمها إيران في صراعها الجاري في المنطقة وتستخدمها لتنفيذ مشروعها التوسعي. إيران من خلال قدرتها على استخدام هذه الأداة أو التلويح باستخدامها تضغط على الدول العربية وقيادتها وتؤثر عليهم سياسياً ونفسياً بغية الوصول إلى ما تسعى إليه من سيطرة وهيمنة خارج حدودها على حساب دول الجوار، إذ يمكن إدراك أهمية هذه القوة عند النظام الإيراني من خلال تركيزه المضاعف على بنائها والتوسع بها على حساب الاهتمام بالمرافق الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في الدولة، وبفضل الاهتمام والتركيز المضاعف على هذه الأداة باتت إيران قوة عسكرية في المنطقة تتفوق في العديد من المجالات العسكرية على حساب دول الجوار، وباتت مصدراً من مصادر تهديد أمنها القومي. وما إصرار إيران على استمرارها في هذا المشوار لبناء القوة العسكرية على حساب لقمة عيش مواطنيها ورفاهيتهم، إلا من أجل توظيفها بطريقة ناعمة والتأثير نفسياً وسياسياً على دول الجوار خدمة للمصالح الإيرانية أو توظيفها بطريقة خشنة، وهذا التوظيف يتجلى عبر الترويج لإيران في دول المنطقة كنموذج ناجح يجب استنساخه، وعبر التلويح باستخدام هذه القوة لتغيير مواقف الدول الأخرى لصالح إيران، ويتجلى هذا التوظيف الهادف عبر استخدامها بطريقة خشنة مثلما يحدث في سوريا ولبنان واليمن لصالح إيران وتوابعها في المنطقة العربية.

إيران وبعد توظيفها الهادف لأداة السياسة الخارجية وعناصرها الأساسية الدين والمذهب والمفاهيم التي تلامس وجدان الأمة وحاجاتها، وبعد توظيفها للنفط والغاز الأحوازي وعنصره الأساسي المال السحت وبعد استخدامها لأداة القوة العسكرية بالطريقتين الناعمة والخشنة أصبحت متنفذة في العديد من دول المنطقة العربية ومتغلغلة فيها. وعلى أثر هذا التغلغل تحولت هذه المناطق إلى فرص وأدوات جديدة ومجدية تستخدمها إيران مرة أخرى في صراعها مع دول المنطقة والعالم وتستخدمها حتى تتمدد وتتوسع أكثر كثيراً مما يمكن توقعه، وأهم هذه المناطق العراق ولبنان واليمن وسوريا والبحرين.

لذلك من أجل الوقوف أمام المشروع الإيراني في المنطقة العربية والدفاع عن الأمن الوطني من المفترض استهداف هذه الأدوات الاستراتيجية، وإخراجها من المعادلة، أو على أقل تقدير إضعافها وإنهاكها. حتى يتسنى للمتضررين العرب الدفاع عن النفس وعرقلة المشروع الإيراني في دولهم ومجتمعاتهم، وهذا أضعف الإيمان، وإلا ففي ظل وجود هذه الأدوات بيد النظام الإيراني من الصعب تحصين الأمن الوطني العربي ومن الصعب تجنب الشر الإيراني.

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى